الشفافيّةُ الشعريّةُ لدى الشاعرة آمال عواد رضوان في "بسمة لوزيّة تتوهّج"

"الشفافية الشعرية لدى الشاعرة – آمال عوّاد رضوان –
في "بسمة لوزيّة تتوهّج"
دراسة : الدكتور منير توما – كفرياسيف - فلسطين
ِ
لقد استمتعتُ جدًّا بقراءة المجموعة الشعريّة للشاعرة آمال عوّاد رضوان التي تحمل عنوان" بسمة لوزيّة تتوهّج"
حيث لمستُ في قصائد هذه المجموعة أنّ الشاعرة فتاة شفافة، رقراقة، حانية اللمسات، رائقة المشاعر،فهي تمثّل الإنسانة التي تعيش وتحيا بالحب.
إنّها تعيش الحبَّ..بخيالها وروحها ... وقلمها ...ذلك الحبّ الذي تشعر به مع الحبيب...ذلك الحبّ الذي يوحي بطابع الحزن.. والألم.. والتشاؤم أحياناً، فهي تكتب بنفسٍ حزينة.. موجوعة لأنها تحلم بحبيبها الذي يهدي روحها .. وتشعر في قربه.. بسكينة النفس وراحتها. فشاعرتنا كيان.. ممزوج بوجدٍ وشوقٍ ..وذهول.. وجوع فكريّ ..لا يكتفي .. وعطشٍ روحيٍّ لا يرتوي .. مع استعدادٍ كبيرٍ للطرب والسرور..واستعداد أكبر للشجن والألم ... ويغلب الشجن والألم على الفرح.. والسرور..
وهذا يشير إلى أنّ شاعرتنا فنّانة.. رقيقة اللمحات.. واللمسات.. فنانة.. موسيقية.. بارعة .. تترك انطباعًا لا يُمحى في نفس كلّ من يقرأ شعرها لأنّه يُجسّد الأنوثة الجذّابة.
إنّ خلجات نفس شاعرتنا وأنين مشاعرها تبدو واضحةً في قصائد مجموعتها الشعريّة هذه، كما أنّ عشقها للحبيب يتبدّى رقيقًا كنسمات الحياة، فحبّها له يفوق كلّ وصفٍ ... ويفوق كلّ حبٍّ .. فهي تنتشي بكيانه وتهيم بروحه، وتتطلّع الشاعرة إلى حبيبها مخاطبةً إيّاه.. وتقول:
لمَ يتأوّهُ حبيبي
والنار تتآكلُ في دمائه ولا تأكلـُهُ؟
أما كان الأولى بنيرانِهِ أن تتأوّهُ؟
إفتحْ لي قلبَكَ الذهبيَّ حبيب قلبي
واسكبْ أحشاءَهُ على راحتيَّ..
بالأمسِ
سمعتُ وعولَكَ تناغي ظباءَ حزنِكَ
آهٍ يارحمَ روحٍ
تتفتّقُ ولادةَ وجْدٍ في روحي:
أنولدُ فينا؟
(ص14-15)
وفي هذه الصّورة نرى انّ الوعولَ والظباءَ تُمثّل الرغبات العاطفيّة، وتدفعُ بالمتحدّثِ إلى أن يكون أكثر انفتاحًا وأقلّ خجلاً في حضورِ الآخرين. كذلك فإنَّ الوعلَ أو الظبيَ قد يُشيرُ إلى حاملٍِ خفيٍّ لأنباءٍ جيّدةٍ وإلى التحذيرِ من اتخاذ قراراتٍ متسرّعةٍ كرسالةٍ إلى تجنّب التعليقاتِ المتهوّرةِ والطائشةِ. علاوةً على ذلك، فإنَّ الظبيَ يبدو دائمًا كضحيّةٍ أو رفيقٍ، فالظبيُ في هذه المقطوعةِ يرمزُ أيضًا إلى حياة الحبِّ الطويلةِ التي يكابدُ آلامَها وشجونَها الحبيبان.
إنّ الفتاةَ التي تتحدّثُ بلسانِها شاعرتُنا ، تُجسِّدُ بركانًا من الألمِ ولهيبًا من النيران.. وبحرًا من الدموع. تبكي الحبيبَ البعيدَ الغائبَ، والوحدةَ المريرةَ وتذوبُ فيهِ عِشقًا وحنينًا وهي تقول:
دعني أروي بأمطارِ عينيّ
براريَ عطشكَ
أُلمْلِمُني لكَ ظلالاً
وأشتاقُكَ أبدًا.
(ص17)
إنَّ شاعرتنا تريد أن تخبرَنا بأنَّ الحبَّ هو ركنٌ من أركانِ هذه الحياة، فلولاهُ لما كانتْ لهذه الحياةِ بهجةٌ أو لذّةٌ، فرحةٌ أو دمعةٌ، شوقٌ أو لوعةٌ، فراقٌ أو لقاءٌ، أملٌ أو يأسٌ، صبرٌ أو انتظارٌ، بدايةٌ او نهايةٌ خصوصًا للمرأة العاشقةِ التي تحولُ الظروفُ الاجتماعيّةُ بينَها وبينَ تحقيقِ رغبتِها في العِشقِ والغرامِ ولذّةِ الحبِّ وبهجتِهِ وذلك يتجلّى في قولِ شاعرتِنا:
آهٍ ...
ما أشقاها المرأةُ
حين تُساقُ مقيَّدةَ الرغبَةِ
إلى زنزانةِ احلامِها المستحيلة...
كأنَّ الشوقَ يرمي حوريّاتِ الأحلامِ
في سحيقِ هاوياتِها
يُهَجِّنُ ولاداتٍ رهيبةً
يتركهاأجنّةَ حبٍّ على ثدْيِ انتظارها
(ص20)
وبالعودةِ إلى الحبّ نقول إنَّ شاعرتَنا توحي لنا بأنَّ الحبَّ هو أقوى قوةٍ على الأرض، قوّة الحبِّ هي قوّةُ الوِحدةِ، ولا شيءَ يستطيعُ الوقوفَ في طريقِ الحُبِّ والذوَبانِ أو الانصهار في الحبيبِ لا سيّما إذا كانت المرأةُ هي المُحبّة العاشقةُ في حالتنا هذه.
فجوهرُ الحبِّ هنا هو العطاءُ. الحبُّ يعني المشاركةَ والاتحادَ الجسديَّ والرّوحيَّ عبرَ العاطفةِ الجيّاشةِ التي تعتملُ في نفسِ العاشقةِ ، فحبُّها بلا حدودٍ ولن يُستَنفَذَ لأنَّ الحبَّ عندها هو أن تعطي أوّلاً، والحبُّ في مفهومِها وتجربتِها هو الدّاءُ الذي ابتُلِيَتْ بهِ، فهي تُعاني من العاطفةِ ولا تستطيعُ المقاومةَ، ومع ذلكَ، في أعماقِ هذهِ العاطفةِ توجدُ الحقيقةُ وقوّةُ الحياةِ الدائمةِ، وهي بدون هذا الرباطِ الذي يُدعى الحبُّ، فإنّها ستكونُ في ضياعٍ وليسَ لديها شيءُ للقيامِ بهِ سوى الانتظارِ عبثًا من اجلِ شفقِ الحياة.
شاعرتُنا تتألّقُ في تعبيرِها عن هذا الحبِّ من خلال كلماتِها، فبدونِ كلماتٍ ليس هناكَ حبٌّ،وبدونِ حبٍّ ليس هناك كلمات.
الحبُّ هو كلمةٌ جيّدةٌ، وتفكيرٌ جيّدٌ، وذبذةٌ جيّدةٌ، ولحنٌ جيّدٌ، وهذا ما جادتْ بهِ الشاعرةُ في مجموعتِها الشعريّةِ هذه حيثُ أظهرتْ بكلماتِها الشفّافةِ أنَّ في الشخصِ الذي تحبّ، ذاتَها الثانيةَ ، فالحبُّ مع معاناتِها هو جمالُ الرّوحِ، فهيَ تُحبُّ بسخاءٍ كي تعيشَ بسخاءٍ، وهيَ تحبُّ إلى الأبدِ كي تعيشَ إلى الأبدِ، فهناكَ جمالٌ حقيقيٌّ في القلبِ يهتمُّ ويُحبُّ ، لأنَّ الحبَّ كما تُصوّرُهُ شاعرتُنا يُؤمِنُ بكلِّ الأشياءِ، ويُعاني من كلِّ الأشياءِ، وخيرُ ما عبّرتْ بهِ شاعرتُنا عن هذه المعاني قولها:
كيفَ آمُرُني أن أُغادرَكَ؟
قلبُكَ احتلّني
روحُكَ تتجلّى في مرايا روحي
وأنتَ ظلّيَ المُلاصِق
بحرفي...
بخوفي...
بعطفي..
أناالمصقولةُ بكَ المرهونةُ لكَ
كم بتُّ رهينةَ روعتِكَ!
أرتاعُ حينما أُحِسُّ بالشّوقِ
يُدثِّرُني بثوْبِ غلإثْمِ
أجزعُ وأهرُبُ
كي لا أُكابدَ
في وِحدَتي
مغارزَ الألمِ
لا تتركني رعشةً
فيمهبِّ رصيفِ عزلةٍ
رغمَ أنَّ تلكَ النسائمَ أصبحتْ
تطيبُ لي وتُغفيني
(ص22-23)
ومن هنا يتّضحُ لنا أنَّ الفتاةَ العاشقةَ التي تتحدّثُ شاعرتُنا باسمِها تشعرُ أنَّ قلبَها يذوبُ حنانًا وحنينًا ولهفةً، إنّها تتألّمُ، وتشعرُ بازديادِ التآلفِ والقربى مع حبيبِها على الرغمِ من كلِّ بعادٍ يفصِلُ بينهما، فالشّوقُ يُعاودُها إلى صورتِهِ وشخصِهِ وروحِهِ، إنّه الحبُّ الذي لا شفاءَ فيهِ، فهي التي أشعلتِ النارَ وزادتْها توهّجًا ... وتعلّقًا به وحنينًا إليهِ.. حتّى أخذتْ حياتُها تتّخذُ شكلَ الأسطورةِ الخياليّةِ، فكانتْ في حُبِّها مثاليّةَ الفِكرِ والشعور والوجدان.وعليهِ ، فإنَّ الحبَّ في نظر شاعرتنا هو أن تشعرَ بالذاتِ الكاملةِ بوجودِ الآخر، والحبُّ في رأيِها هو النّورُ وضوء شمسِ الحياة، فنحنُ لا نستطيعُ أن نمنعَ أنفسَنا بالكاملِِ، أو أيّ شيءٍ آخر، ما لم شخصٌ ما نحبّهُ يستمتع بهِ معنا.
حتى لو كنّا لوحدِنا، فإنّنا نختزنُ متعتَنا على أملِ أن نشاركَ بها لاحقا مع أولئكَ الذين نحبّهم، والحبُّ لا يعرفُ المقاييسَ، لكنّهُ يتوهّجُ بدفءٍ فوقَ كلِّ المقاييسِ، الحبُّ لايشعرُ بالعبءِ وسيفعلُ عن رغبةٍ أكثرَ ممّا يقدرُ، ولا يتوسّلُ المستحيلَ، لأنّهُ يشعرُ بكلِّ تأكيدٍ أنّهُ يستطيعُ وقد يفعلُ كلَّ الأشياءَ.
وفي قصيدة "عصفورة النار" يتجلّى ذلك بوضوحٍ من خلالِ الترميزِ الذي تلجأُ إليهِ شاعرتُنا حيثُ أنَّ "علّيقةَ موسي" "واخضرار ناري" يتواصلانِ مع العنوانِ " عصفورة النار" فالعصفورة هي رمز الحريّة والانطلاق، والنارُ هي رمزُ الطرازِ البدائيِّ أو النموذج الأصليِّ للرّوح والحبِّ(archetypal symbol) كما أنَّ النارَ أيضًا هي رمز اللبيدو أو الطاقة الجنسيّة الكامنة، وبالتالي فهيَ ترمزُ إلى الحسيّةِ والعاطفةِ القويّةِ كليّةِ الاستهلاكِ . كذلك ، فإنَّ عالمَ النفسِ الكبيرِ كارل يانغ يرى في النار رمزًا للتطهّرِ أوالتخلّصِ ممّا هو قديمٌ أو عديمُ الفائدةِ، ولكن عصفورة النار في هذه القصيدةِ التي تتماهى معها شاعرتُنا لا تُحرقُ ولا تُرمِدُ فهيَ رمزٌ للدفءِ العاطفيِّ والحرارةِ المنبعثةِ من الإنسان المُحبِّ المُتوقِّدِ الأحاسيسِ والمشاعرِ التي لا تخبو ولا تتلاشى.
وفي هذا الصّددِ تقولُ شاعرتُنا:
جعلتُ قلبَكَ علّيقةَ موسى
تشتعلُ باخضرارِ ناري
ولا تترمّدُ!
أنا عصفورةُ نارٍ
لكنّي..
لا أُحْرِقُ ولا أُرمِدُ
وما كنتُ أنفخُ في رمادٍ
بل،
أُلهِبُ الصّدورَ المُرمّدةَ ... بجماري
(28ص )
وهكذا نرى شاعرتَنا تُلمِّحُ أنّهُ يمكنُ فهمُ الحبِّ فقط"من الداخل" كلغة يمكن فهمها فقط بواسطة الشخصِ الذي يتحدّثُ بها، وكعالَمٍ يمكن أن يفهم فقط بواسطة الشخص الذي يعيش فيه.
وتريد شاعرتُنا أن تقولَ بأنّهُ ليسَ هناكَ من علاجٍ للحبِّ سوى أن تُحبَّ أكثرَ ، فآلامُ الحبِّ هي أعذبُ بكثيرٍ، من كلِّ المسرّاتِ الأخرى كما تعكسُ ذلكَ المقطوعةُ التاليةُ:
آهٍ لأنهارِ عشقي
كم تزخرُ بالشّوقِ الحارقِ إليْكَ
وعلى ضفافِ شفتَيَّ
تنحسِرُ لهفاتي.
(ص35)
إنَّ الحبَّ في عيونِ شاعرتِنا أقوى من كلّّ العواطفِ ، لأنّه يهاجم في آنٍ واحدٍ الرأسَ ، والقلبَ، والأحاسيسَ، ويبدو أنَّ الشاعرةَ قد نشدتِ الحبَّ، أوّلاً لأنّهُ يجلبُ النشوةَ، ففي اتحاد الحبِّ ترى الشاعرةُ، بشكلٍ مصغّرٍ غامضٍ، الرؤيةَ المسبقةَ لربيع السّماءِ المتمثّلِ ببسمة الحبيبِ اللوزيّةِ رمز الأمل والحياة والإشراق، وها هي تنشدُ قائلةً:
ماذا أقولُ في من؛
يَصهرُني....
يُذوِّبُني...
يُبلورُني....
يَجعلُني...
خاتمهُ المُرصَّعَ السحريَّ؟
ماذا أقولُ في من؛
يزرعُ شفاهِيَ بأغراسٍ من قُبَلِ رضى؟
حينَ يُوشّي عينيِّ
ببسمةٍ لوزيّةٍ تتوهّجُ حياةً وحياء؟
(ص48-49)
ممّا تقدّمَ نستخلصُ بأنَّ الشاعرةَ آمال عوّاد – رضوان تتمتّعُ بموهبةٍ شعريّةٍ أنيقةٍ، رومانسيّة النزعةِ يغلبُ عليها الطابع الرقيقُ الشفّافُ المحلّى بلغةٍ ألفاظِها سلسةٌ انسيابيّةٌ تأسِرُ القارئَ والسّامعَ بعذوبتِها ورقّتها لما فيها تمجيدٍ أخّاذٍ للحبِّ الرّاقي غيرِ المبتذلِ الذي يزدادُ اتّساقًا بالصّور الأدبيّةِ اللافتةِ لا سيّما وأنّها صادرةٌ عن خيالٍ أنثويٍّ يمتازُ بالخصوبةِ المتموِّجة في عالمِ الحبِّ والغرامِ.
فلشاعرتِنا أجملُ التهاني بصدورِ مجموعتِها الشعريّةِ هذهِ ، آملينَ لها مزيدًا من العطاءِ والإبداع.
في "بسمة لوزيّة تتوهّج"
دراسة : الدكتور منير توما – كفرياسيف - فلسطين
ِ
لقد استمتعتُ جدًّا بقراءة المجموعة الشعريّة للشاعرة آمال عوّاد رضوان التي تحمل عنوان" بسمة لوزيّة تتوهّج"
حيث لمستُ في قصائد هذه المجموعة أنّ الشاعرة فتاة شفافة، رقراقة، حانية اللمسات، رائقة المشاعر،فهي تمثّل الإنسانة التي تعيش وتحيا بالحب.
إنّها تعيش الحبَّ..بخيالها وروحها ... وقلمها ...ذلك الحبّ الذي تشعر به مع الحبيب...ذلك الحبّ الذي يوحي بطابع الحزن.. والألم.. والتشاؤم أحياناً، فهي تكتب بنفسٍ حزينة.. موجوعة لأنها تحلم بحبيبها الذي يهدي روحها .. وتشعر في قربه.. بسكينة النفس وراحتها. فشاعرتنا كيان.. ممزوج بوجدٍ وشوقٍ ..وذهول.. وجوع فكريّ ..لا يكتفي .. وعطشٍ روحيٍّ لا يرتوي .. مع استعدادٍ كبيرٍ للطرب والسرور..واستعداد أكبر للشجن والألم ... ويغلب الشجن والألم على الفرح.. والسرور..
وهذا يشير إلى أنّ شاعرتنا فنّانة.. رقيقة اللمحات.. واللمسات.. فنانة.. موسيقية.. بارعة .. تترك انطباعًا لا يُمحى في نفس كلّ من يقرأ شعرها لأنّه يُجسّد الأنوثة الجذّابة.
إنّ خلجات نفس شاعرتنا وأنين مشاعرها تبدو واضحةً في قصائد مجموعتها الشعريّة هذه، كما أنّ عشقها للحبيب يتبدّى رقيقًا كنسمات الحياة، فحبّها له يفوق كلّ وصفٍ ... ويفوق كلّ حبٍّ .. فهي تنتشي بكيانه وتهيم بروحه، وتتطلّع الشاعرة إلى حبيبها مخاطبةً إيّاه.. وتقول:
لمَ يتأوّهُ حبيبي
والنار تتآكلُ في دمائه ولا تأكلـُهُ؟
أما كان الأولى بنيرانِهِ أن تتأوّهُ؟
إفتحْ لي قلبَكَ الذهبيَّ حبيب قلبي
واسكبْ أحشاءَهُ على راحتيَّ..
بالأمسِ
سمعتُ وعولَكَ تناغي ظباءَ حزنِكَ
آهٍ يارحمَ روحٍ
تتفتّقُ ولادةَ وجْدٍ في روحي:
أنولدُ فينا؟
(ص14-15)
وفي هذه الصّورة نرى انّ الوعولَ والظباءَ تُمثّل الرغبات العاطفيّة، وتدفعُ بالمتحدّثِ إلى أن يكون أكثر انفتاحًا وأقلّ خجلاً في حضورِ الآخرين. كذلك فإنَّ الوعلَ أو الظبيَ قد يُشيرُ إلى حاملٍِ خفيٍّ لأنباءٍ جيّدةٍ وإلى التحذيرِ من اتخاذ قراراتٍ متسرّعةٍ كرسالةٍ إلى تجنّب التعليقاتِ المتهوّرةِ والطائشةِ. علاوةً على ذلك، فإنَّ الظبيَ يبدو دائمًا كضحيّةٍ أو رفيقٍ، فالظبيُ في هذه المقطوعةِ يرمزُ أيضًا إلى حياة الحبِّ الطويلةِ التي يكابدُ آلامَها وشجونَها الحبيبان.
إنّ الفتاةَ التي تتحدّثُ بلسانِها شاعرتُنا ، تُجسِّدُ بركانًا من الألمِ ولهيبًا من النيران.. وبحرًا من الدموع. تبكي الحبيبَ البعيدَ الغائبَ، والوحدةَ المريرةَ وتذوبُ فيهِ عِشقًا وحنينًا وهي تقول:
دعني أروي بأمطارِ عينيّ
براريَ عطشكَ
أُلمْلِمُني لكَ ظلالاً
وأشتاقُكَ أبدًا.
(ص17)
إنَّ شاعرتنا تريد أن تخبرَنا بأنَّ الحبَّ هو ركنٌ من أركانِ هذه الحياة، فلولاهُ لما كانتْ لهذه الحياةِ بهجةٌ أو لذّةٌ، فرحةٌ أو دمعةٌ، شوقٌ أو لوعةٌ، فراقٌ أو لقاءٌ، أملٌ أو يأسٌ، صبرٌ أو انتظارٌ، بدايةٌ او نهايةٌ خصوصًا للمرأة العاشقةِ التي تحولُ الظروفُ الاجتماعيّةُ بينَها وبينَ تحقيقِ رغبتِها في العِشقِ والغرامِ ولذّةِ الحبِّ وبهجتِهِ وذلك يتجلّى في قولِ شاعرتِنا:
آهٍ ...
ما أشقاها المرأةُ
حين تُساقُ مقيَّدةَ الرغبَةِ
إلى زنزانةِ احلامِها المستحيلة...
كأنَّ الشوقَ يرمي حوريّاتِ الأحلامِ
في سحيقِ هاوياتِها
يُهَجِّنُ ولاداتٍ رهيبةً
يتركهاأجنّةَ حبٍّ على ثدْيِ انتظارها
(ص20)
وبالعودةِ إلى الحبّ نقول إنَّ شاعرتَنا توحي لنا بأنَّ الحبَّ هو أقوى قوةٍ على الأرض، قوّة الحبِّ هي قوّةُ الوِحدةِ، ولا شيءَ يستطيعُ الوقوفَ في طريقِ الحُبِّ والذوَبانِ أو الانصهار في الحبيبِ لا سيّما إذا كانت المرأةُ هي المُحبّة العاشقةُ في حالتنا هذه.
فجوهرُ الحبِّ هنا هو العطاءُ. الحبُّ يعني المشاركةَ والاتحادَ الجسديَّ والرّوحيَّ عبرَ العاطفةِ الجيّاشةِ التي تعتملُ في نفسِ العاشقةِ ، فحبُّها بلا حدودٍ ولن يُستَنفَذَ لأنَّ الحبَّ عندها هو أن تعطي أوّلاً، والحبُّ في مفهومِها وتجربتِها هو الدّاءُ الذي ابتُلِيَتْ بهِ، فهي تُعاني من العاطفةِ ولا تستطيعُ المقاومةَ، ومع ذلكَ، في أعماقِ هذهِ العاطفةِ توجدُ الحقيقةُ وقوّةُ الحياةِ الدائمةِ، وهي بدون هذا الرباطِ الذي يُدعى الحبُّ، فإنّها ستكونُ في ضياعٍ وليسَ لديها شيءُ للقيامِ بهِ سوى الانتظارِ عبثًا من اجلِ شفقِ الحياة.
شاعرتُنا تتألّقُ في تعبيرِها عن هذا الحبِّ من خلال كلماتِها، فبدونِ كلماتٍ ليس هناكَ حبٌّ،وبدونِ حبٍّ ليس هناك كلمات.
الحبُّ هو كلمةٌ جيّدةٌ، وتفكيرٌ جيّدٌ، وذبذةٌ جيّدةٌ، ولحنٌ جيّدٌ، وهذا ما جادتْ بهِ الشاعرةُ في مجموعتِها الشعريّةِ هذه حيثُ أظهرتْ بكلماتِها الشفّافةِ أنَّ في الشخصِ الذي تحبّ، ذاتَها الثانيةَ ، فالحبُّ مع معاناتِها هو جمالُ الرّوحِ، فهيَ تُحبُّ بسخاءٍ كي تعيشَ بسخاءٍ، وهيَ تحبُّ إلى الأبدِ كي تعيشَ إلى الأبدِ، فهناكَ جمالٌ حقيقيٌّ في القلبِ يهتمُّ ويُحبُّ ، لأنَّ الحبَّ كما تُصوّرُهُ شاعرتُنا يُؤمِنُ بكلِّ الأشياءِ، ويُعاني من كلِّ الأشياءِ، وخيرُ ما عبّرتْ بهِ شاعرتُنا عن هذه المعاني قولها:
كيفَ آمُرُني أن أُغادرَكَ؟
قلبُكَ احتلّني
روحُكَ تتجلّى في مرايا روحي
وأنتَ ظلّيَ المُلاصِق
بحرفي...
بخوفي...
بعطفي..
أناالمصقولةُ بكَ المرهونةُ لكَ
كم بتُّ رهينةَ روعتِكَ!
أرتاعُ حينما أُحِسُّ بالشّوقِ
يُدثِّرُني بثوْبِ غلإثْمِ
أجزعُ وأهرُبُ
كي لا أُكابدَ
في وِحدَتي
مغارزَ الألمِ
لا تتركني رعشةً
فيمهبِّ رصيفِ عزلةٍ
رغمَ أنَّ تلكَ النسائمَ أصبحتْ
تطيبُ لي وتُغفيني
(ص22-23)
ومن هنا يتّضحُ لنا أنَّ الفتاةَ العاشقةَ التي تتحدّثُ شاعرتُنا باسمِها تشعرُ أنَّ قلبَها يذوبُ حنانًا وحنينًا ولهفةً، إنّها تتألّمُ، وتشعرُ بازديادِ التآلفِ والقربى مع حبيبِها على الرغمِ من كلِّ بعادٍ يفصِلُ بينهما، فالشّوقُ يُعاودُها إلى صورتِهِ وشخصِهِ وروحِهِ، إنّه الحبُّ الذي لا شفاءَ فيهِ، فهي التي أشعلتِ النارَ وزادتْها توهّجًا ... وتعلّقًا به وحنينًا إليهِ.. حتّى أخذتْ حياتُها تتّخذُ شكلَ الأسطورةِ الخياليّةِ، فكانتْ في حُبِّها مثاليّةَ الفِكرِ والشعور والوجدان.وعليهِ ، فإنَّ الحبَّ في نظر شاعرتنا هو أن تشعرَ بالذاتِ الكاملةِ بوجودِ الآخر، والحبُّ في رأيِها هو النّورُ وضوء شمسِ الحياة، فنحنُ لا نستطيعُ أن نمنعَ أنفسَنا بالكاملِِ، أو أيّ شيءٍ آخر، ما لم شخصٌ ما نحبّهُ يستمتع بهِ معنا.
حتى لو كنّا لوحدِنا، فإنّنا نختزنُ متعتَنا على أملِ أن نشاركَ بها لاحقا مع أولئكَ الذين نحبّهم، والحبُّ لا يعرفُ المقاييسَ، لكنّهُ يتوهّجُ بدفءٍ فوقَ كلِّ المقاييسِ، الحبُّ لايشعرُ بالعبءِ وسيفعلُ عن رغبةٍ أكثرَ ممّا يقدرُ، ولا يتوسّلُ المستحيلَ، لأنّهُ يشعرُ بكلِّ تأكيدٍ أنّهُ يستطيعُ وقد يفعلُ كلَّ الأشياءَ.
وفي قصيدة "عصفورة النار" يتجلّى ذلك بوضوحٍ من خلالِ الترميزِ الذي تلجأُ إليهِ شاعرتُنا حيثُ أنَّ "علّيقةَ موسي" "واخضرار ناري" يتواصلانِ مع العنوانِ " عصفورة النار" فالعصفورة هي رمز الحريّة والانطلاق، والنارُ هي رمزُ الطرازِ البدائيِّ أو النموذج الأصليِّ للرّوح والحبِّ(archetypal symbol) كما أنَّ النارَ أيضًا هي رمز اللبيدو أو الطاقة الجنسيّة الكامنة، وبالتالي فهيَ ترمزُ إلى الحسيّةِ والعاطفةِ القويّةِ كليّةِ الاستهلاكِ . كذلك ، فإنَّ عالمَ النفسِ الكبيرِ كارل يانغ يرى في النار رمزًا للتطهّرِ أوالتخلّصِ ممّا هو قديمٌ أو عديمُ الفائدةِ، ولكن عصفورة النار في هذه القصيدةِ التي تتماهى معها شاعرتُنا لا تُحرقُ ولا تُرمِدُ فهيَ رمزٌ للدفءِ العاطفيِّ والحرارةِ المنبعثةِ من الإنسان المُحبِّ المُتوقِّدِ الأحاسيسِ والمشاعرِ التي لا تخبو ولا تتلاشى.
وفي هذا الصّددِ تقولُ شاعرتُنا:
جعلتُ قلبَكَ علّيقةَ موسى
تشتعلُ باخضرارِ ناري
ولا تترمّدُ!
أنا عصفورةُ نارٍ
لكنّي..
لا أُحْرِقُ ولا أُرمِدُ
وما كنتُ أنفخُ في رمادٍ
بل،
أُلهِبُ الصّدورَ المُرمّدةَ ... بجماري
(28ص )
وهكذا نرى شاعرتَنا تُلمِّحُ أنّهُ يمكنُ فهمُ الحبِّ فقط"من الداخل" كلغة يمكن فهمها فقط بواسطة الشخصِ الذي يتحدّثُ بها، وكعالَمٍ يمكن أن يفهم فقط بواسطة الشخص الذي يعيش فيه.
وتريد شاعرتُنا أن تقولَ بأنّهُ ليسَ هناكَ من علاجٍ للحبِّ سوى أن تُحبَّ أكثرَ ، فآلامُ الحبِّ هي أعذبُ بكثيرٍ، من كلِّ المسرّاتِ الأخرى كما تعكسُ ذلكَ المقطوعةُ التاليةُ:
آهٍ لأنهارِ عشقي
كم تزخرُ بالشّوقِ الحارقِ إليْكَ
وعلى ضفافِ شفتَيَّ
تنحسِرُ لهفاتي.
(ص35)
إنَّ الحبَّ في عيونِ شاعرتِنا أقوى من كلّّ العواطفِ ، لأنّه يهاجم في آنٍ واحدٍ الرأسَ ، والقلبَ، والأحاسيسَ، ويبدو أنَّ الشاعرةَ قد نشدتِ الحبَّ، أوّلاً لأنّهُ يجلبُ النشوةَ، ففي اتحاد الحبِّ ترى الشاعرةُ، بشكلٍ مصغّرٍ غامضٍ، الرؤيةَ المسبقةَ لربيع السّماءِ المتمثّلِ ببسمة الحبيبِ اللوزيّةِ رمز الأمل والحياة والإشراق، وها هي تنشدُ قائلةً:
ماذا أقولُ في من؛
يَصهرُني....
يُذوِّبُني...
يُبلورُني....
يَجعلُني...
خاتمهُ المُرصَّعَ السحريَّ؟
ماذا أقولُ في من؛
يزرعُ شفاهِيَ بأغراسٍ من قُبَلِ رضى؟
حينَ يُوشّي عينيِّ
ببسمةٍ لوزيّةٍ تتوهّجُ حياةً وحياء؟
(ص48-49)
ممّا تقدّمَ نستخلصُ بأنَّ الشاعرةَ آمال عوّاد – رضوان تتمتّعُ بموهبةٍ شعريّةٍ أنيقةٍ، رومانسيّة النزعةِ يغلبُ عليها الطابع الرقيقُ الشفّافُ المحلّى بلغةٍ ألفاظِها سلسةٌ انسيابيّةٌ تأسِرُ القارئَ والسّامعَ بعذوبتِها ورقّتها لما فيها تمجيدٍ أخّاذٍ للحبِّ الرّاقي غيرِ المبتذلِ الذي يزدادُ اتّساقًا بالصّور الأدبيّةِ اللافتةِ لا سيّما وأنّها صادرةٌ عن خيالٍ أنثويٍّ يمتازُ بالخصوبةِ المتموِّجة في عالمِ الحبِّ والغرامِ.
فلشاعرتِنا أجملُ التهاني بصدورِ مجموعتِها الشعريّةِ هذهِ ، آملينَ لها مزيدًا من العطاءِ والإبداع.

0 Comments:
إرسال تعليق
<< Home