الثلاثاء، أبريل 03، 2007

خبر إصدار المجموعة الشعرية" بسمة لوزية تتوهج" للشاعرة آمال عوّاد رضوان



"بسمة لوزية تتوهج" للشاعرة آمال عواد رضوان

قدم لها الشاعر محمد حلمي الريشة
الناصرة – الحياة الثقافية:
صدرت مؤخراً مجموعة شعرية جديدة للشاعرة الفلسطينية آمال عواد- رضوان، وهذه هي مجموعتها الثانية بعد "شموع الآمال" في العام (2001). وقعت المجموعة في (80) صفحة من القطع المتوسط، بتصميم وإخراج أنيقين، واحتوت على تسع قصائد، أهدتها الشاعرة: "إِلَيْكَ .. حَيْثُ أَنْتَ ؛ فيَّ أَبَدَاً" .. ونشير هنا إلى أن المجموعة هي إصدار خاص على نفقة الشاعرة، وتعتبر هذه حالة أخرى من الحالات التي تتكبد الشاعرة تكاليف إصدار عملها، وهو دون شك إخلاص أنثوي فلسطيني عربي للشعر والإبداع بأشكاله المختلفة.
قدم المجموعة الشاعر محمد حلمي الريشة، وجاء تقديمه تحت عنوان: ("بَسمَةٌ لَوزِيَّةٌ تَتَوَهَّجُ" عَلَى شِفَاهِ الشِّعر):
لِمَ فِي اشْتِعَالِ الشِّعرِ، دَائِمَاً، دَاخِلَ كَينُونَةِ الشَّاعِرِ، رُغمَ فُجأَتِهِ الَّتِي تُقَلِّبُ جِمَارَ حَوَاسِّهِ السَّاكِنَةِ كَزَلزَلَةٍ تَنهَضُ مِن نَومِهَا، يَسعَى الشَّاعِرُ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرَّاتِ ثُبُوتِ قِيَامَتِهَا، إِلَى تَروِيضِ فِكرَتهِ العَالِيَةِ؟ تِلكَ الفِكرَةِ الَّتِي تَعنِي اِتِّبَاعَ سِحْرِ نَدَّاهَةٍ بِافْتِرَاضِ مُثُولِ آثَارِهَا عَلَى مَسَاراتٍ سَرَابِيِّةٍ، والَّتِي لاَ تَكفُّ تَتَلَبَّسَهُ مُنْذُ وَعْيهِ بِالشِّعرِ أَنَّهُ مُحَاوَلَةُ نَجَاةٍ مُفتَرَضَةٍ، رُغمَ إِدرَاكِهِ لاَحِقَاً بِعَبَثِيَّتِهَا، إِذ يَتَوَسَّعُ طَوقُهَا، كُلَّ تَجرُبَةٍ، كَأَنَّهُا تَكَرَّرُ المَاءِِ نَفْسِهِ، لكن لا مَوجَةٌ تُشْبِهُ مَوجَةً (بِالتَّعبِيرِ الرَّائِعِ لِلشَّاعِرَةِ مَارِينَا تِسفِيتَايِيفَا)، وَإدرَاكِهِ المُعَذِّبِ والمُعَذَّبِ، أَيضَاً، أَنَّهُ (الشِّعرُ) مَالِكُ حُضُورِهِ حِيْنَاً، وَمَانِعَهُ كَمَا يَشَاء.
رُبَّمَا.. لأَنَّهَا (الفِكرَةُ) تُشِيرُ بُوصَلَتُهَا إِلَى الغِيَابِ، أَو قُلْ: هِيَ الغِيَابُ نَفْسُهُ، إِنْ لَمْ تََكُنْ تَعنِي الفَقْدَ، أَو هِيَ الفَقْدُ بِتَمَاهِيهِ فِي ذَاتِهِ حِينَاً, وفي ذَاتِ الشَّاعِرِ حِينَاً آخَر .. لكِنْ، وَهذَا مِن بَوَاعِثِ المُثَابَرَةِ الشَّاعِرِيَّةِ المَجنُونَةِ، ثَمَّةَ مَا يُقَلِّدُ الفَرَحَ فِي الذَّاتِ وَلِلذَّاتِ الشَّاعِرَةِ لَذَّةً دُونَ إِطَارِهَا الزَّمَنِيِّ؛ تِلكَ الذَّاتُ الَّتِي تَحتَضِنُ آخَرَهَا دَاخِلَهَا بِكُلِّ مَيَلاَنٍ أَوِ انْطِلاَقٍ، كَمَا تَشرَئِبُّ شَجَرَةٌ مُوَارَاةٌ مُتَّجِهَةً بِأَغصَانِهَا نَحوَ لَسعَاتِ الشَّمسِ تَغتَنِمُهَا ضَوءً وَحَرَارَةً.
هَل كَانَ هذَا هُوَ البُدُّ الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ؟
أُحِسَّهُ: نَعَمٌ.. إِذ أَحسَسْتُ، وَأَنَا أَقرَأً شِعرَ الشَّاعِرَةِ القَادِمَةِ آمَال رَضوَان، أَنَّهَا تَدعُو القَارِئَ/ قَارِئَهَا إِلَى أَنْ يَقْلِبَ وَضْعَ عَيْنَيْهِ عَكْسَاً؛ إِلَى الدَّاخِلِ، لِيَرَى، بِحِسِّ نَظَرِهِ أَوَّلاً، كَينُونَةَ بَوَاطِنَهِ المُغَيَّبَةِ بِفِعْلِ وَاقِعٍ يَضِجُّ شَرَاهَةً وَيَجنَحُ افْتِرَاسَاً، مُغَيِّبَاً حَرَاكاً جَمَالِيَّاً كَانَ يُسدِلُ ظِلاَلَهُ النَّدِيَّةِ عَلَى جَفَافِ الحَيَاةِ وَعَطَشِهَا العُضَال.
إِذَا .. هُنَا؛ فِي هذِهِ المَجمُوعَةِ الشِّعرِيَّةِ، تَحَوُّلٌ نَحوَ الدَّاخِلِ الإِنسَانِيِّ؛ نَحوَ البَاطِنِ المُشتَعِلَةِ مَشَاعِرِهِ وَهَواجِسِهِ وَقَلَقِهِ وَعِشقِهِ وَاشتِيَاقَاتِهِ وَارتِبَاكَاتِهِ، وَتَأَبُّطِ أَسئِلَتِهِ الوُجُودِيَّةِ مُنذُ أَزَلِيَّتِهِ وَآنِهِ وأَبَدِيَّتِهِ المَجهُولَة.
نَدخُلُ حَدَائِقَ الشَّاعِرَةِ بِدَعوَةِ غِوَايَةِ تَوَهُّجِ بَسمَتِهَا اللَّوزِيَّة.. تَتَفَتَّحُ حَوَاسُّنَا المُجمَرَةُ/ المَطوِيَّةُ عَلَى ذَوَاتِهَا، بِكُلِّ تَأَلُّقٍ، عَلَى مُبتَدَاهَا وَمُشتَهَاهَا.. إِنَّهَا تَحفِرُ بَعِيدَاً حِينَاً في كينونتنا حَدَّ الألم:
"نُعايِنُ ظِلالَ اللهِ تَكسُو بِحَارَ الحَواسِّ؛
تُربِكُنَا أَمواجُ الرَّهبةِ.. فَنَتقوَّس
وبِتثَاقُلٍ مُهتَرئٍ
بَينَ تَعاريجِ الحُزنِ وشَظايَا الفَرحِ
نَتَّكِئُ علَى مَسَاندِ الصَّمتِ
نَنْكأُ جُروحَاً تَغفُو/ لِنَنْشُرَ سَوادَ الأَلَمِ حَلِيباً
يَتعَشَّقهُ مِدَادُ الحَنِين"

وَحِيِنًا تَشدُّ كُلِّيتَنا نَحوَ فَضَاءَاتِِهَا بِبَرِيقِ بِلَّورِ قَطْرِهَا المُنسَكِبِ نَجَاةً مِن ذَاكَ الأَلَم:
"دَعْني.. /
- حَبِيبَ الرُّوح -
أَغْسِلُ سَفرَ وجهِكَ
بأَطْهَرِ دُموعِ رهامي
وأَنفُضُ الغُبارَ عَن مَتْحَفِ فَمِك
أَجعلُكَ آنِيةً شَفِيفَةً
نَتمَاوَجُ في صَفائِهَا".

بِسِحْرِ هذِهِ الكَلِمَاتِ، وَمَثِيلاَتِهَا مِن / فِي مُعجَمِهَا البَاطِنِيِّ، تَتَوَرَّدُ الحَيَاةُ حَتَّى فِي خَرِيفِهَا.. إِنَّهَا صَرَخًَاتُ تَمَرُّدِ القَلبِ مُدرِكَاً غِيَابَاً لاَ بُدَّ مِن حُضُورِهِ، وَفَقدَاً لاَ بُدَّ مِن انْوِجَادِه.
حَقَّاً.. إِنَّ الشِّعرَ، فِي حَدَائِقِ الشَّاعِرَةِ هُنَا، نَاقُوسُ الرُّوحِ مُنَادِيَاً، بِإِيْمَانٍ، أَنَّ القَلبَ حَدِيقَةُ الحَيَاةِ تَستَحِقُّ عُشَّاقَهَا، وَأَنَّهُ، بِمَعنَىً جَدِيْدٍ/ جَمِيلٍ مِن مَعَانِيهِ كَمَا رَسَمَتهُ الشَّاعِرَةً، بَسمَةٌ لَوزِيَّةٌ تَتَوهَّجُ عَلَى شِفَاهِهِ!

د. إلياس عطالله - قراءة لغوية عجلى في كتاب "بسمة لوزية تتوهج"


قراءة لغويّة عجلى في كتاب
بسمة لوزيّة تتوهّج
آمال عوّاد رضوان
د. إلياس عطاالله

- صوت شابّ مميّز، له مذاقه الحصريّ في زمن صار الشعر فيه مسلّعا يباع في سوق الكساد( ومعذرة من المتنبي الكبير). لن ألجأ إلى ذكر الجندر في حديثي، فالإبداع إبداع، وليكن الفاعل ما شاء، ومن الإهانة أن يتناول " الديوان" تحت عباءة الأدب النسائيّ.
- تقنيّات عاجلة: غياب مكان الصدور ودار النشر.
- ارتأت الشاعرة أن تركب مركبا وعرا، حين اختارت أن تضبط كلمات شعرها بالشكل صرفا ونحوا، وهذا الخيار قد يكون منزلقا، لا لأنّ الشاعرة لا تجيد العربيّة وقواعدها، بل لأنّ جرائم الطباعة لا تغتفر، وفي الكتاب عشرات الشواهد، آمل أن تمّحي في الإصدار الآتي.
- لغة الشاعرة خروج عن المألوف وعن أقيسة العربيّة كما يقول الكلاسيكيّون، خروج لم يوجعني... بل انضاف إلى جملة الإبداعات الموظّفة لخدمة النصّ، ولا يعني قبولي أنّها لن تجبه اعتراضا من هذا الدارس أو ذاك، ولكنّ الخروج عن المألوف هو الإبداع مجسّدا، وماذا أريد من نصّ يأتيني بالمألوف؟ وكيف يوسم الإبداع إن لم يكن اختراقا لوصمة المألوف المستكان إليه؟
ومنه:
1. إضافة كما إلى ياء المتكلّم: كمايَ( ص 14)، وإن كان عبيدُ النحو المدرسيّ سينتفضون غضبا لهذا المروق اللغويّ، فإن العارفين بالعربيّة وأسرارها سيجدون للكاتبة شفيعا في استعمال الكلاسيكيين لـ " لولاي/ لولاه...) بدلا من لولا أنا ولولا هو، فنحوهم يقرّر أنّ الاسم بعد لولا مبتدأ، وضمائر الجرّ والنصب لا تأتي مبتدآت، ولم يعدم " فحول" النحو تخريجا للأمر، بل إنّ بعضهم جعل لولا حرف جرّ في مثل هذا الأسلوب.

2. تعدية اللازم، وقد تشفع لها قضيّة التضمين الشرعيّة والمشرعنة، أو حذف الخافض( يتناثرها ص-25- 58) بدلالة يبعثرها، تُهويني ( ص 69) بدلا من تهوي بي.


3. أل الموصولة اللاصقة تصديرا بالأفعال، جميلة محبّبة، وهي ليست شأنَ أو إبداع مدرسة شعر اللبنانيّة، هي من صميم فصحى العربيّة( ص ص 18- 69- 72).
- أفرد لأفعال سادت النصوص فقرة خاصّة وإن اندرجت مع الفقرة السابقة في الخروج عن أقيسة العربيّة، إذ سحبت الشاعرة قاعدة محصورة نحوا في أفعال القلوب على كلّ فعل عربيّ، وكأنّي بها بمشيئة النصّ العابق بالحبّ والوجع ترى أفعال العربيّة كلّها تفيض أو تنحسر حبّا، أو كأنّ الحبّ يقتات على توزّع بين الشكّ واليقين، ولذا لمّا جاز أن أقول رأيتني وحسبتني وخلتني وظننتني دون إغضاب للخليل أو سيبويه، وجدنا الشاعرة تسحب هذا الجواز على كلّ فعل، فالأفعال عندها مشتقّة من الحبّ وحالاته وتحليقه أو انسحاقاته، وعليه تكتب: أأسكبني وألملمني ( ص 17) لتصوّر ذوب الحبّ والعطاء إلى درجة تشارف الفناء الصوفيّ، وتضيف وهي في حالة الحب الذي يصوغ كينونة أو يمحوها: ملكتُني، خسرتُني( ص 21)، ولأنّها لم تقوَ على حسم أمورها بعدُ، ولأنّها موزّعة بين أمرين كلاهما شهد أو علقم، تقول: كيف آمرني أن أغادرك( ص 22)، و: أنّى لي أبتُرني من إدمانك( ص 67)، وقبل أن تغلق كتاب الحبّ وبين " أجيج الأنفاس وسكرة الحضور" لا تجد إلا: أتنهّدُني... أعزفني ( ص 74) وهل التنهيدة وليدة فرح أو ألم؟ وهل تعزف ذاتها لحنا ملائكيّا أو عزيفا جنّيّا؟ أترك لها ولحسّ القارئ الإجابة.
- فوجئت، لرقة الإضمامة بما فيها، ببعض حوشيّ الكلام الذي لا يعرفه إلا المختصّون، ومن هذا قولها: تثِجني هالاتها البريّة( ص 36)، ها أنت بقسوتك البادحةِ( ص 68).
د. إلياس عطاالله

علي حسن الفواز - الكتابة بشرط الاستعادة


آمال عواد- رضوان في مجموعتها الشعرية "بسمة لوزية تتوهج"
الكتابة بشرط الاستعادة!

علي حسن الفواز*

لا يمكن أن تكون القراءة النقدية إلاّ محاولة في استعادة تأمل النص؛ النص المفتوح والمصمم والموحي، لأن هذه القراءة ستسعى إلى تفكيك التماسك الظاهري في النص والبحث عن الأبنية الخفية والعميقة فيه؛ تلك التي تتجسد عبر تلوينات بصرية أو هيجانات حسية، حتى يبدو وكأن النص يفقد خاصيته المعلنة ومباشرة ليتحول إلى مجموعة سيرورات باثة لطاقة داخلية تكون هي الحاضنة والمشرعنة لكل التصادمات الدلالية في النص، وربما هي المسؤولة عن كشف المعنى الذي تلاحقه الكتابة دائمًا عبر استعادة الذات أو الطبيعة أو المحبوب..
وإزاء هذا أجد أن أغلب نصوص الشاعرة آمال عواد- رضوان في مجموعتها الشعرية "بسمة لوزية تتوهج" تتماهى مع هذه الاستعادة التي تتكفل بإعطاء نصوص المجموعة سياقًا حرًّا، تسعى من خلاله الشاعرة إلى توسيع فكرة الاستعادة تلك من خلال استمالة الحسي والجسداني والوصف الشعوري المتورط بالكشف عن تفاصيل التجربة وترميزها، ومنحها إيقاعًا داخليًّا مصممًا، وكأنه تعويذة للارتواء وبيان الإنشاد العاطفي الذي يتماهى مع نداء الآخر الحاضر عبر صور ومناخات حسية وإيروسية متعددة..
إن ما تفصح عنه الشاعرة هو إفصاح وصفي يتوالد في لغة بسيطة مشوبة بهوس الرغبة؛ رغبة البحث، رغبة الاكتشاف، رغبة الاستحضار، رغبة اللذة، إذ تكون اللغة هي مجموعة إشارات تستفز الذاكرة، وتستفز الجسد، وتجعل من لعبة الاستعادة المجازية محاولة في الانشداد إلى انزياح الاستعارة الذي يبدو مكشوفًا أمام ازدحام التفاصيل الشعورية ومناخات الإحساس المفرط في نزوعه الاستعادي..

أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ
يَنْدَلِقُ
نَسِيْماً رَطباً في مَعابِرِ رُوحِي
تَجمَعُني قُزَحاتهُ إضمَاماتٍ فوَّاحَةً
تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي
***
أَشتاقُكَ ..
أيُّها المَجنونُ
إِلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك
أَشتاقُك ..


إن تكرار الإشارة الصوتية (صوتك) هي إشارة تعويضية تقابل غياب الحضور والتشخصن، وهذا ما يفترض اقتراح السياق الاستعادي ليكون بمثابة البنية المهيمنة التي تحرك المحتوى الإشاري، وتمنح بنية الصوت مجالاً تعويضيًّا يجذب إليه الكثير من البنيات الثانوية..
ولاشك أن هذا النزوع البنائي يفترض له تراتبًا وتركيبًا يجعل من المجموعة وكأنها قصيدة واحدة كتبت تحت إغواء الاستعادة، مثلما هي حاملة لطاقة الإغواء الحسي أو المزاج الذي يطبع إحساس الشاعرة وهي تجعل من اللغة ترميزًا ودلالة واحتواء أشبه باللغة التي تسلل إلى الذات المهووسة بالآخر، تستحضره في توليفات صوتية مكررة، أو مناخات تختزن طياتها توهجًا خفيًّا هو توهج الشاعرة ذاتها وهي تستسلم إلى ما تكتشفه من صور ودلالات ثانوية واستمالات تتجوهر فيها الروح والجسد المسكونان بهاجس الاستدعاء وفرش التفاصيل توقًا إلى ارتواءات تعويضية..

آثارُ قلبِكَ دَعني أرَمِّمْها ..
أُجَدِّد مَاءَ حَدائِقَها ..
أَجعلها وُروداً
نَتراقصُ بَينَها شَغفاً
وتَسبَحُ قَنادِيلي في جَداولِهِا الشهيَّة

تكرر الشاعرة هذه الخاصية- خاصية الاستحضار- حدّ الحلول فيها، لأنها تمنحها إحساسًا حادًّا بالامتلاء، واستيعاب ما تفور به الرغبة من تهويمات تخفي في جوهرها قلقًا وجوديًّا هو قلق الفقدان، لذا هي تحاول أن تخفي هذا القلق عبر استحضار الإشارات الإيروتيكية وإشارات الخصب كدلالة مقابلة لفكرة الحلول عند الصوفية، لأن هذا الشعور التعويضي هو المضاد لبنية الفقدان المضمرة في حدوس غير معلنة، نجد مقابل (آثارقلبك) وهي صور استذكارية إذ هي تشيء بثنائية مفترضة للحضور والغياب عبر صور (آثار) وصورة (أرممها)، صورًا أخرى (هو صدرك بيدري)، وهذا التقابل الصوري يكشف عن شبق حسي ولغوي مثلما تتوالد عنه رغبة في التوحد والتبادل تجسدها البنية التساؤلية..

أتكونَ دفينَ انصِهَاري
حَبيسَ أنْوِيَتي ؟!
أتَقْبَلُ بِكيْنونَةٍ جَديدةٍ
لا تُحَرِّرُها إلاّ بَراكيني ؟!

إن ما يتحكم في أغلب بنى القصائد/ النصوص إحساس عميق بالأسى، تستفز من خلاله الذاكرة المعادية للصمت، فهي تعاين ذاتها من خلال الآخر (مصدر الأسى واللذة)، والذي تستله بدءًا من بنية الاستهلال (إليك، حيث أنت، فيّ أبدًا)، وانتهاء بإعادة استحضاره عبر سيولة من التفاصيل والصور والاتساع الذي يخل أحيانًا بإيجاز الشعرية! إذ تنحاز الشاعر هنا إلى هذيانها المصمم، هذيان الرغبة، هذيان التدفق والتوليد اللغوي المدجج بالاستعارات، وكأنها عبر هذه الشراهة تؤكد الحضور الرمزي، وتؤكد نزعة سيكولوجيا الامتلاك، مثلما تؤكد أيضًا طاقة البقاء التي تؤنسنها عبر تحقق العديد من الترميزات الموحية بقوة التملك والباثة لسياق التوافق الحسي..
في قصيدة "في مهب رصيف عزلة" تحاول الشاعرة أن تكشف عن رمزية فقدانها، إذ هي الأنثى الموغلة في آهاب رغباتها وتيقنها بأنها لن تستعيد إلاّ صورتها في المرآة؛، صورة المرأة الأنثى وليست المرأة الوجود، إذ هي التي تندفع إلى الاستعادة لأنها محكومة بالحب والتوحد واللذة والتبادل، والمرأة الأخرى محكومة بقانون الطبيعة.. تنحاز الشاعرة إلى أنموذجها المتعالي والأنوي والمهووس والمشخصن في عقدة المرآة، وتجد عبر خساراته وفقدانه إحساسًا متعاليًا وباطنيًا يجعل من مشاعرها المضطربة والقهرية استبطانا لاجتراح لذة داخلية/ استمنائية وعداوية هي سر ما يمنحها التدفق والتوحش واستعادة الحياة والحب ولو رمزيا...

آهٍ ...
ما أَشقاهَا المرأةَ
حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ
إلى زَنزَانةِ أَحلامِهَا المُستَحِيلَة ..
كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي حُوريَّاتِ الأَحلامِ
في سَحيقِ هَاوياتِها
يُهجِّنُ وِلادَاتٍ رَهيبةٍ
يَترُكَها أَجِنَّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها
*
قَد أَكونُ أَرهقتُكَ ؛
بِضَجيجِ فِكري
بِضَوضاءِ قَلبِي
أَشعرُ بالذَّنْبِ
حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسِيسي
وما مِن ذَنْبٍ أَقترِفهُ
سِوَى أن تتكَبَّدَ جَرِيْمةَ حُكْمِي
*
أُحِسُّ برَاحةٍ غَريبةٍ
حِينَما أُوقِعُ بِكَ قِصَاصِي
بِلُؤمٍ أَبْلَه


تكتب الشاعرة آمال عواد- رضوان تحت إيقاع هذه المشاعر اللجوجة، تغرق لغتها بغليان من الصور المحتدمة وحدوس الروح المتوجسة، (البنية الصوتية) تمثل فضاءها الذي تستغرقه كبنية استحضارية متدفقة، إذ يكون الصوت هو الناقل لوجعها الداخلي ونفورها ومزاجها القهري مثلما هو مجسها الذي تتلمس به الخارج بكل ما يمور به من أحلام ورؤى وتوهجات وفقدانات، والتي عادة ما تترك فراغا مريعًا! الصوت هنا هو لجوؤها الفارق والمدهش والباطني، تغلف إيقاعها بنبر خفي يتجاوز أحيانًا بنيته النثرية ليكشف عن إيقاع اللغة ذاتها؛ إيقاع التوتر، تصادم الرؤى، وتعاكس الأحاسيس، حتى تبدو اللغة هنا أشبه بالمصد الذي يحتك بالتباسات الخارج المرثي! إذ تصنع له الشاعرة كتابة في الرثاء، وتجعل من ذاتها المرآوية فضاء لحيوات ضاجة تكسر إيهام الزمن واغترابه، حيث ينطلق هذا الزمن من الماضي ليستحضر حاضرًا لا هوية له سوى أنه حاضر الجسد المكتنز بالنداء واستجلاب المحبوب الغائب والغائم كنوع من الإيهام برغبة التعويض أو الترميم، وأحيانًا تكون الكتابة استغراقًا في رثاء الجسد..
ومن هنا تضع الشاعر قصيدتها أمام لعبة إغواء متواصل؛ لعبة في استغراق الحياة، لعبة في الانفلات من المرارة، كتابتها نص الاستعادة هو محاولة للهروب إلى الأمام، دفعًا لاستعادة قوته في الشهوة والإشباع، واستئثارًا بكتابة هي الأقرب إلى كتابة المزاج، إذ تكون الشاعر أمام شراهة أنويتها وحيدةً تنحاز إلى آخر يشبهها لا خصوصية له سوى أن يتدفق، يطلق عصافير إشباعه ونشيده المباح.. ولاشك أن هذه القصيدة / النص تفترض لغة صاخبة لا تتسلل باطمئنان إلى الخارج، لغة غير مشبعة، انشطارية، لا زحمة في نظامها الدلالي، مفتوحة على شفرات الجسد وانشغالاته وحدوسه، حيث يكون الجسد هنا هو الحاضن الإشكالي الذي يفلسف أزمة الكائن في وجوده وفي عشقه وفي استمالته وارتوائه.. الشاعرة تطلق العنان هنا لهذه اللغة المتدفقة دون مواربة لأنها على يقين أنها تكتب لغتها، وتنزاح إلى استعاراتها الحسية التي لا تفلسف علاقتها مع الآخر.. لذا هي لغة محتوية لأنوية الشاعرة، حاضنة لقلقها وندائها وبوحها وتوحدها واعترافها!

يا خِشْيَتي مِنْكَ وَعَليْكَ
إنْ تَلتحَمْ أكوانُ كَلَفِكَ بِضُلوعِ جِنَاني
*أأقول
لا تَدْنُ مِن مُروجي
فَما اخضِرارُ بَتْلاتي سِوى سَرابٍ يَخلِبُ لِحَاظَ القِلوبَ
ويَفتنُ مَجسَّاتِ العُقول ؟

إن قصيدة "أنفض الغبار عن متحف فمك" تمثل قصيدة اعتراف موجع، تمارس فيها الشاعرة أقصى رغباتها في التصريح عن مكنونها وانهماكها باستعادة الآخر اللذوي والإشباعي إزاء توهمات حرمانها وفقدانها، وهذا التقابل الحاد يضفي على شفراتها اللغوية نوعًا من التعبيرية الحادة التي تتكثف أصواتها في صوت واحد هو صوت الأنثى التي تمارس إغواءها القديم بمواجهة ذاتها/ جسدها/ حريتها أولاً قبل الآخر الذي وضعت الشاعرة/ الأنثى فمه في المتحف، وهنا تتوهم استعادته دائمًا عبر اصطناع لعبة حضورية إفراغية، تفترض فيها إشارة (نفض الغبار) كنص مضاد للمتحف الذي يؤطره السكون، مثلما تتوهم المروج كعلامة مضادة للسراب، وتتوهم ثنائيات أخرى تتزاوج فيها رغبات الشاعرة المحتدمة..
إن شعرية آمال عواد- رضوان هي شعرية كفاية الحلم كما يسميها ابن عربي! إذ هي تستدعي وتستحضر سيرة فقدانها حتى تبدو وكأنها مروية حلم له نشوة الابتهاج وله قسوة المكاشفة، هذا الانجرار الحسي يجعلها أثر إيغالاً في تلذذ الكشف، وتحويل جسد الآخر إلى سطح لتدوين هذا الكشف الذي تتكثف مشهديته في نص فسيح/ توصيفي لا قاموس له سوى الرغبة، ولا امتداد له سوى اللحظة المكثفة المتوهجة التي تمنحها الشاعرة استعادة مكررة..

هو ذا القَلبُ خاشعٌ
راكعٌ في مِحرَابِ الاعترافِ
يتمتمُ في صمتِهِ الصَّاخبِِ
يا مَنْ تَرْجِمُني بِوابِلٍ مِن قُبُلات
لأجْمَلِ اقْتِراف


إن نصوص الشاعر لا تحتمل التأويل ولا تهرب بعيدًا عن المعنى! لأنها محمولة على كتابة موجعة وحلمية ومباشرة أحيانًا، تفرش قماشتها اللغوية بنوع من التوثب الذي يلامس روح أنوثتها النافرة والقلقة..هي تكتب نصًّا في استدعاء الغياب بكل ما يختزنه هذا الغياب من ترميزات واستعارات، والذي يحمل شفرة الآخر بكل توهجه وخوفه وخذلانه..
وجدت نفسي أتسلل مع قصائدها وكأني أبحث عن نهاية هذا الأسى وهذا الصحو في هذه اللعبة الماهرة داخل كيمياء الجسد واللذة، والتي تختمها الشاعرة باستعارة نداء (أيها) وهي إشارة للحضور الملتبس الذي يكشف عن أدوار تبادلها إياه الشاعرة الحرمان والنشوة والجنون وحتى الهذيان!

أيُّها القادمُ من رَحمِ الحرمانِ مَدفوعاً برياحِ النَّشوة والهيام،
تَخشى افتقادَ اللَّحظة،
تُحلّق في روائع الجنون
خشْيَةَ أن تصحُو من عَبقِ الهذَيان.


* شاعر وناقد.







سامح كعوش - طقسُ كتابة ٍ رومنسيةٍ مغايرة بامتياز


قراءة نقدية لـ " بسمة لوزية تتوهج " للشاعرة آمال عوّاد رضوان
سامح كعوش

طقسُ كتابة ٍ رومنسيةٍ مغايرة بامتياز، تمارسه آمال عوّاد رضوان في " بسمة لوزية تتوهج". طقس احتراق فراشة اللغة بضوء قنديل العشق ، في كلام تسكت عنه اللغة فتهمس به الأرواح الساكنة في صمت الأشياء / الموجودات عن أسمائها.

صلاة عشق ٍ تصلّيها الطبيعة لأجل هذا الآخر الحبيب / الغريب معاً ، هذا الرجل، رجل الدفء و الثلج، النسمة و العاصفة، الروح الأسيرة و الجسد الرحب سعةَ وجودٍ أوجده توق الخالق إلى جمالٍ ما و بجلالٍ كليِّ القدرة على الخلق الساحر.

تتماهى "آمال عوّاد رضوان" في نصّها الشعريّ مع بعض تلك القدرة بقدرتها الفنية المتميزة على إحالة التفاصيل الصغيرة بينهما : الذكر / الأنثى، إلى سبب كينونتها الأول، بدائية البشرية في بداءة اكتشاف حواسها ، بداءة العشق. قصة الذكر / الأنثى حين كانا التحام جسدين في انصهارٍ لا يضاهيه سوى وحدة حاليهما روحاً و جسداً كما في نص الشاعرة.

قصائدها تفتح كتاباً في الحب قلّ مثيله في كتابات بدايات القرن الحادي و العشرين، لما فيه من رومنسية مختلفة تشابه رومنسية بدايات القرن العشرين و لا تشبهها، في استعادة محببّة لنتاج كبار شعراء الرومنسية الأوروبية و العربية معاً.

عناصر الطبيعة/ الخلق : الماء و النار، التراب و الهواء.
تجبلها الأنثى لتحيلها كوناً قائماً من حبٍّ لا يُحدّ، و عشقٍ لا يرضخ و إن استكان، فلكي يعود أكثر قدرة على الاحتراق / الخراب الجميل.

هي عشتار كلمة و إنانا حرف ، هذه الأنثى التي تتحدث بلسانها الشاعرة. تقيم طقس قيامة أدونيس مع تفتّح الزهر و احمرار خدوده، حين خجله عن مزيدٍ من العشق ولا يطيق صبراً (صفحة 19)
" لن أخشى اجتياح فيضانك ...
ستُسكنكَ قبلة

تلثم عشتار جراح أدونيس بشفتيها، تروي ظمأ قلبه برضابهما و تعيده قيد حبٍّ/ قيد حياةٍ من جديد (صفحة 42)
"في سكون الليل
تطفح قناديلي بزيت نوركَ المقدّس
لأجعلكَ على قيد الحب

يصيرُ النهر خلفية اللوحة التي ترسمها آمال عواد رضوان بالكلمات كتتمة أساسية في تشكيل اللحظة الحميمة و التي تكتبها الشاعرة طقساً عشقياً خالصاً . النهر والأنثى ، الذكر/ النهر و الأنثى / الأرض. الأنثى الفاعلة ، القاتلة كفراشة ٍ تحترق فيبهت الضوء بعدها، الأنثى الحاملة شوقاً لا ينتهي و ناراً لا تنطفئ (صفحة 43)

"أيطفئ الشوقُ نارنا ذات قبلة"

كلا، لأن قبلتها هي تمسح عن المريض فيشفى و إن يشقى، تعيد الميت إلى الحياة فقبلتها رمز انبعاث/ حياة
" كم تشهّيتُ الموت غرقاً بين شفتيكَ
(صفحة 68)
"تلتهمني
تتآكلني
و تتلذذ أنت " (صفحة 72).

هي قبلة اللذة المطلقة / إكسير الحياة، تعيده قيد عشق يتأجج و بسمة لوزية تتوهج.
هي آمال عواد رضوان، أنا الشاعرة الكسيرة الأسيرة . الأنثى التي تقتلها شرقية الآخر في فهمه لها، ولما تريده منه. و يحييها كونها أنثى النار تحت الرماد، رماد الرغبات الشهية الممنوعة المحببة
" ما أشقاها المرأة
حين تُساق مقيدة الرغبة
إلى زنزانة أحلامها المستحيلة (صفحة 23).

هي حقاً شقيةٌ شهيةٌ ، تتشظى بين رغباتها المتعددة حين حضوره، يتمثل لها روحا و رائحةً
" شهيةٌ رائحةُ حضورِكَ" (صفحة 67).

يقتحمها حضوره ولا تقوى على ردّهِ، بل هي ترفع رايات استسلامها عاليةً في فضاء عينيه ولا يراها، لأنه المقموع الممنوع هو أيضاً.
يتشظى هو، و يتلعثم باللذيذ من الكلام، الممتد حتى آخر شهقة نشوةٍ في صعودهما سويةً برج السماء بعشقهما الحارق. هذا الممنوع الذي يشدهما إلى أسفل كلما حاولا صعوداً إلى أعلى، الارتقاء نحو سماوية اللحظة ، نحو شيء من ألوهية البشر أو بشرية الآلهة(صفحة 77).

" من على برج عشقي الـ يتصدّع
أترقبني
أعلى حافة الاحتقار
تهويني إلى مستنقع لا قرار له"

دلالة العبارة تتسع، بين عناصر خلقٍ لا يتحقق و اتجاه أحادي الاتجاه، نحو محورية ٍ ما ، إلى داخل الإنسان في قصيدة آمال عوّاد رضوان، في ذاتيته وعودتهِ إلى عوالمه الداخلية ليسبر أغوارها بالكشف بالنار، بالضوء و الاحتراق. (صفحة 51)

" أنا ذات الطقس الاستوائي
أتحمّر
أتجمّر
أتقمّر و أمطر"

الأنثى النهر، طفلة المطر حين تلهّف الأرض الظمأى لقطرة ماء أو قبلة.
لعنة الجسد/ السجن الذي يضيق برغباتها المباركة، يضيق صدرها بنسمة تحييها بلذةٍ لا مثيل لها/ ببسمة لوزية تتوهج حين يزرعها بالقبل فتثمر عشقاً(صفحة54).

" ماذا أقول في مَنْ يزرع شفاهي بأغراسٍ من قُبل ...
حين يوشّي عينيّ ببسمة لوزية

تتبادل و إياه مواضع الفعل، فهي تعدو إليه و هو يلملم رعشات شوقها. هي تزهر به و تزهو أفنانها، حين تفوح أعاصيرها بطلع شذاه(صفحة 84).

" أيا أثير أنفاسي
حسبي :
تعتريك طيور الفؤاد
تنساب في فضاءات روحي
حسبي :
تفوح أعاصيرك بطلع شذاك
فتزهر و تزهو بك أفناني"

دلالة اللغة / الظل هو المجهول الذي يخيف، الإثم المحرم، الرغبات العصية على الترويض، العصية على التحقق لأنها قاتلة، الرغبات الكامنة تحت رماد الوعي الجماعي الغبار، "أنا" ضد "نحن" الجماعة ، "أنا" ضد أناها الأخرى، المانعة لكل انفلات نحو الشمس، ارتقاءٍ للسماء خارج الأسماء الموروثة منذ ألف قرنٍ من مزيج الجهل و الخوف(صفحة 30)
" لبرهةٍ نومض بسماتٍ ترتشف دمعاً ...
تتشكل الهالات رغوةً ...
نلجُ أحشاء العمر بشهوة"

الشهوة المباركة، زيت قنديل الروح لعصفورة النار، للجمر في صدر الشاعرة الكاسرة موازين قيم التقليد و سلطة الذكر . هنا الأنثى تكتمل بذاتها، تعلن قيامتها، تصرخ بملء رغبتها المكبوتة : (صفحة 15)

" أحن إلى حفيف صوتك
يندلق"

تتمنى هي أن يغمرها كلّ لحظة، وهي سيدة اللحظات. تثور على الحياة المريضة بالسأم، تنتصر لذاتها، إنها الأنثى الحارقة المحترقة بناره ولا انطفاء(صفحة 44).

"ماكانت ذورة اللقاء
إلا في قرابينه المحترقة"

نارها تحييه، تصير ربيعه الأخضر فكلماتها حطب عشقه، و حرفها نارها (صفحة 33).

" دعني أدفئك بها ...
أجفف طواحينك المبتلة بحرارتي"

تزرع حقله بهمس لذّتها، باخضرارها الشقي يتبرعم في حقول صدره، رغم الثلج، رغم تحجّر المشاعر و جمود الأحاسيس في مجتمع لا يؤمن بها، بل يتوعد المؤمنين بها بجهنم و بئس المصير (صفحة 48).

" هي كومات جليدٍ يتكدّس
تغلّف حجيرات ذهنك
تتيقظ الذاكرة ...
حينها يذوب جليد شوقك
يتوالد حسًّا حارًّا "

نص آمال عوّاد رضوان مختلف، طبيعيٌّ في أشكاله الوصفية، و رومنسيٌّ في بنيته التكوينية التي تقوم على علاقة الـ " هو " بـ"هي"، و سورياليٌّ في تجريده للوحة العشق التي يرسمها كبداية خلق و صيرورة خليقة، منذ البدء وفي البدء كانت كلمة الله في بوحه الجميل، يوم أسرّ في أذن إنسانه الأول أسباب الخلق و سرّ الوجود، أن "أنت و هي و لا ثالث لكما إلا الرغبة". الرغبة التي توقظ في أنثاها حنيناً قديماً إليه، تنسكب بين يديه رعشاتِ جسدٍ تصهره و تغلفه بها، ثم تسبح قناديلها في جداوله الشهية، متهاديةً على ذبذبات الرغبة التي تصيح ... (صفحة59).
" أقم صلاة عشقك في معابدي"

تتأوه (صفحة40).
" آهٍ لأنهار عشقي
كم تزخر بالشوق الحارق إليك
و على ضفاف شفتيّ تنحسرُ لهفاتي"

الأنثى تعلن عن نفسها في نص آمال عوّاد رضوان، متحدّيةً المجهول الكامن خلف قلبها، يرهبها حين يتكثف وهماً لكنها تنتصر عليه حين تتعرى من حذرها القديم، حين تركض فوق حصى الحلم حافيةً من ظلها، حين يُصلبُ جسدها على خشبة الوهم و الضباب، الخوف من أن يكون، من أن يعبّر عن حاجاته فيعبر إلى نعيمه الخاص، جنة لذته الموعودة(صفحة 60).

"نثرت على جسدي
بثور غربة و ضباباً
من آهاتٍ و أكفان"

تنتصر الأنثى في نص الشاعرة " آمال عوّاد رضوان " أو تنتصر الشاعرة لذاتها و لجسدها و لحرفها الجميل البوح، لحبيبها المستحيل الذي يسكن حرفها، أمير أحلامها الذي حوّله الوهم المجهول إلى ضفدع كلام مسحور، لا يستعيد طبيعته الأولى إلا بقبلةٍ من شفتيها القادرتين، يعتصرهما عسلاً و رضاباً شهياً، لحظة السحر و الدوار اللذيذ(صفحة 34).

" أجيئك
أخبئ لك تحت جناحيّ غلال حبّي
...
إلى دوارٍ لذيذ "

تتراقص كما سندريللا في حلمها الجميل على ايقاع عشقه المتهافت، و يطيب لها أن تقرأه، أن تتعلم لغة الشفاه، لينطقا معاً حين بوحهما بأعذب تراتيل الصمت.




بسمة لوزية بأبعادها الجيولوجية النصية - رامي أبو شهاب



بسمة لوزية بأبعادها الجيولوجية النصية
قراءة في مجموعة آمال عوّاد رضوان
( بسمة لوزية تتوهّج)
رامي أبو شهاب

تنطلق الشاعرة آمال عوّاد رضوان في مجوعتها " بسمة لوزية تتوهج" من مناطق شعرية ذات أبعاد جيولوجية لا تتسم بوتيرة واحدة فهي، إما سحيقة في الأعماق، وإما ذات قشرة سطحية براقة جذابة، وبين الطبقتين تلونات لغوية ودلالية تحاول الشاعرة من خلالها إبقاء النص في وضع الارتقاء اللغوي المصاحب ببعد دلاليّ، ولكن هلاميّ عصيّ على الإمساك، والتثبيت في الدوائر الدلالية وما وراء المعنى .
تقيم الشاعرة كينونتها الشعرية معتمدة على لغة شعرية تتميز بقدرة عالية على حمل التوترات الشعرية إلى أعلى مستوياتها، فالمفردة في تناسقها الأفقيّ مع مثيلتها تشكل إسقاطا شعريا عاليا، حين تملأ مساحات من التخيل، تمهيدا إلى تحفيز حواس المتلقي، وتعول الشاعرة كثيرا على تلك المناطق، التي تقيم صورا ذات تشكيلات حواسية، ولكن في غطاء من الإيحاء الشفيف، الذي لا يتطاول إلى درجة من الغموض المتأزم، تقول الشاعرة :
أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ
يَنْدَلِقُ
نَسِيْماً رَطباً في مَعابِرِ رُوحِي
تَجمَعُني قُزَحاتهُ إضمَاماتٍ فوَّاحَةً
تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي
نَبَراتُ حُروفِكَ تُلاغفُ جَوانِحي
أَحَاسِيسُكَ تُسوِّرني
كَيْفَ أهْرُبُ
وَمسَافاتُ الوَلهِِ تَزدادُ نَقشَاً

فحفيف، يندلق، الرطب، الفواحة، تسورني، والوله، مفردات للتعاطي المباشر مع الحواس وهنا تعبر الشاعرة من منطقة المحفز إلى مرحلة التأثير ،فتلتقط المتلقي عبر جوّ مشحون بالدلالات ذات السياقات اليومية، وتبدو الشاعرة في تعاطيها مع هذا المتلقي حريصة على المحافظة على الإيقاع الداخليّ، وهي هنا تضعه في رحم جوّ شعريّ حيث المسافة، والحرارة مناسبة، فالشاعرة تمضي بالقارئ في إيقاع دقيق دفق، ولكنه دائما متروك لبداية أخرى ومحاولة أخرى لإعادة التشكل من جديد، و التطاول إلى أخيلة المتلقي الأسيرة، في إيقاع تراتبي داخلي :
أُسْكُبْني في فِنْجانِكَ
وارْتَشِفْني إنْ كُنْتَ تَسْعَد
هَلِّلْني بِسَعادتِكَ
أطْرِبْني بِلَذائِذِكَ
يا أيُّها المَسْكونُ بي وبِفُتوني
يا أيُّها العالَمُ الدَّفينُ بِمَكنوني
ويا أيُّها القارئُ الأصَمُّ لِشُجوني :
أريدُكَ حَيَّاً
أقِمْ صَلاةَ عِشقِكَ في مَعابِدِ غُصوني
عَلِّقْ تَمائِمَكَ عَلى أهْدابِ عُيوني

يلاحظ من خلال هذا المقطع، هذه المواجهة ومن ثم الاحتواء، حيث تستخدم الشاعرة أفعال الأمر، ولكن ضمن مردود عكسيّ، فهي تأمر ليكون القارئ هو المسيطر في تبادل للأدوار، ويبدو أن الضمير الياء، قد ساعد على صنع هذه العلاقة، بحيث يتمكن القارئ من الشعور بهذه الألفة والحميمية، وتنتقل الشاعرة إلى مواجهة القارئ في دعوة له تعتمد النداء ثلاث مرات، وهنا يبدو أن القارئ جزء أصيل في كينونة الشاعرة، فتحفر الشاعرة عميقا في لغتها لتبدو أعمق تأثيرا وحينا تبدو خفيفة تسرق المتلقي في حوار سريع هادئ، وهنا يبدو أن النسق الشعري الذيّ تعتمده آمال نسق إسقاطيّ، يعول على المتلقي كثيرا، فهذا النوع من الأنساق يتخذ المتلقي كعنصر بنائي في القصيدة، لذلك تحاول الشاعرة في البناء الأفقي للنص العمل على إيجاد مساحات للمتلقي، يلجها وهنا تكون اللغة في مستوياتها المختلفة يومية شعرية حسية الوسيلة الأنجع، وهكذا على المبدع أن يبحث عن تلك اللغة الآسرة، كي يشرك المتلقي بالنصّ ومن ثم يكون منتجا كونه مشاركا في حوار اللغة .
تعتمد الشاعرة في نصّها على منطقتين، تحاول من خلالهما البوح باتجاه الخارج والابتعاد كثيرا، ولكن ثمة عودة في النهاية، هذا الخارج هو تطويح معنوي بلذة البوح ومجانيتها تشتيت اللغة في مناطق متعددة، وهي دوما متجهة نحو القارئ أو ربما( الآخر )، ولكن في النهاية فإنها تعود أدراجها، فهي غالبا ما تواجه بسلبية ( وهنا الآخر )، فتسقط في احتضار معنويّ يتخذ شكل اللغة الحواسية التي تناولتها مسبقا :
ماذا أقولُ في حَبيبِ حَرفٍ لَم أنطقهُ بَعد
حَبيبٍ ينثرُ لَهفاتي حروفاً
يُلمْلمُ رَعشاتِ شَوقي
في جَدائلَ من كَلمات ؟
*
ماذا أقولُ فِيمَن ؛
يَصْهَرُني ...
يُذَوِّبُني ...
يُبَلْوِرُني ...
يَجْعَلُني ...
خاتَمَهُ الْمُرَصَّعَ السِّحْرِيّ ؟

لغة شعرية ومسافات لبناء نصّي محكم ومتحرك دوما نحو مناطق سهلة ممتنعة، تقترب منا من لذة شعرية جامحة، ولكن غير مكتملة فغالبا ما تعمل الشاعرة على تنفيس تلك الشحنة المتفجرة من التصاعد اللفظي والدلالي، كل على حد سواء، إن الشاعرة آمال هي سيدة كونها الشعري وهي الآمرة الناهية به :
ألقيتُ بثَوبِي عَليهِ
قلتُ : إليكَ بهِ
يا لَبهائي حين تُرتِّقُ بِحروفِكَ أثوابي ..
اختزَلَني أثيرُ صوتِهِ ... صَفَعَني
ويْحَكِ ..
أوَ تُلقينَ عليَّ بِمصفوفاتٍ مَعدنيَّة !
*
آهٍ لِحُبَيْبات قَلبِي
كحبَّاتِ البُنِّ
تُحمِّصُها ... تَحرقُها
في حَميصِ القَسوةِ
والشّوق إليكَ
الشّوقُ إليْكَ يُشعِلُني

جمالية اللغة هي مرتكز شعري تقوم الشاعرة به، في إعطاء نصها بعدا حيويا وتخليصه من جمود الشعر الذي أصبح سمة من سمات الشعر المعاصر، وهنا يكون الاختزال والتكثيف والانفتاح الثقافي للغة الشعرية، هو العالم المسيطر على بنية قصيدة النثر، فالقصيدة تسير نحو اللاشيء ولكن لتقول كل شيء، وهي في تخلصها من القيود وانبعاثها من جديد توجد إيقاعا جديدا ، يتعالى على الإيقاع الخارجي لجرسٍ موسيقيّ حروفي، ويتبدى إيقاع وجرس داخلي ممتلئ وخفيف في آن واحد .
هذه محاولة بسيطة لتلمس ضفاف نص آمال عوّاد رضوان، وهي قراءة واحدة لنص محمل بالقدرة على وضع نفسه في كل مرة في منطقة جديدة وعمق جيولوجي قابل للاكتهان والتنقيب .