الثلاثاء، أبريل 03، 2007

علي حسن الفواز - الكتابة بشرط الاستعادة


آمال عواد- رضوان في مجموعتها الشعرية "بسمة لوزية تتوهج"
الكتابة بشرط الاستعادة!

علي حسن الفواز*

لا يمكن أن تكون القراءة النقدية إلاّ محاولة في استعادة تأمل النص؛ النص المفتوح والمصمم والموحي، لأن هذه القراءة ستسعى إلى تفكيك التماسك الظاهري في النص والبحث عن الأبنية الخفية والعميقة فيه؛ تلك التي تتجسد عبر تلوينات بصرية أو هيجانات حسية، حتى يبدو وكأن النص يفقد خاصيته المعلنة ومباشرة ليتحول إلى مجموعة سيرورات باثة لطاقة داخلية تكون هي الحاضنة والمشرعنة لكل التصادمات الدلالية في النص، وربما هي المسؤولة عن كشف المعنى الذي تلاحقه الكتابة دائمًا عبر استعادة الذات أو الطبيعة أو المحبوب..
وإزاء هذا أجد أن أغلب نصوص الشاعرة آمال عواد- رضوان في مجموعتها الشعرية "بسمة لوزية تتوهج" تتماهى مع هذه الاستعادة التي تتكفل بإعطاء نصوص المجموعة سياقًا حرًّا، تسعى من خلاله الشاعرة إلى توسيع فكرة الاستعادة تلك من خلال استمالة الحسي والجسداني والوصف الشعوري المتورط بالكشف عن تفاصيل التجربة وترميزها، ومنحها إيقاعًا داخليًّا مصممًا، وكأنه تعويذة للارتواء وبيان الإنشاد العاطفي الذي يتماهى مع نداء الآخر الحاضر عبر صور ومناخات حسية وإيروسية متعددة..
إن ما تفصح عنه الشاعرة هو إفصاح وصفي يتوالد في لغة بسيطة مشوبة بهوس الرغبة؛ رغبة البحث، رغبة الاكتشاف، رغبة الاستحضار، رغبة اللذة، إذ تكون اللغة هي مجموعة إشارات تستفز الذاكرة، وتستفز الجسد، وتجعل من لعبة الاستعادة المجازية محاولة في الانشداد إلى انزياح الاستعارة الذي يبدو مكشوفًا أمام ازدحام التفاصيل الشعورية ومناخات الإحساس المفرط في نزوعه الاستعادي..

أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ
يَنْدَلِقُ
نَسِيْماً رَطباً في مَعابِرِ رُوحِي
تَجمَعُني قُزَحاتهُ إضمَاماتٍ فوَّاحَةً
تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي
***
أَشتاقُكَ ..
أيُّها المَجنونُ
إِلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك
أَشتاقُك ..


إن تكرار الإشارة الصوتية (صوتك) هي إشارة تعويضية تقابل غياب الحضور والتشخصن، وهذا ما يفترض اقتراح السياق الاستعادي ليكون بمثابة البنية المهيمنة التي تحرك المحتوى الإشاري، وتمنح بنية الصوت مجالاً تعويضيًّا يجذب إليه الكثير من البنيات الثانوية..
ولاشك أن هذا النزوع البنائي يفترض له تراتبًا وتركيبًا يجعل من المجموعة وكأنها قصيدة واحدة كتبت تحت إغواء الاستعادة، مثلما هي حاملة لطاقة الإغواء الحسي أو المزاج الذي يطبع إحساس الشاعرة وهي تجعل من اللغة ترميزًا ودلالة واحتواء أشبه باللغة التي تسلل إلى الذات المهووسة بالآخر، تستحضره في توليفات صوتية مكررة، أو مناخات تختزن طياتها توهجًا خفيًّا هو توهج الشاعرة ذاتها وهي تستسلم إلى ما تكتشفه من صور ودلالات ثانوية واستمالات تتجوهر فيها الروح والجسد المسكونان بهاجس الاستدعاء وفرش التفاصيل توقًا إلى ارتواءات تعويضية..

آثارُ قلبِكَ دَعني أرَمِّمْها ..
أُجَدِّد مَاءَ حَدائِقَها ..
أَجعلها وُروداً
نَتراقصُ بَينَها شَغفاً
وتَسبَحُ قَنادِيلي في جَداولِهِا الشهيَّة

تكرر الشاعرة هذه الخاصية- خاصية الاستحضار- حدّ الحلول فيها، لأنها تمنحها إحساسًا حادًّا بالامتلاء، واستيعاب ما تفور به الرغبة من تهويمات تخفي في جوهرها قلقًا وجوديًّا هو قلق الفقدان، لذا هي تحاول أن تخفي هذا القلق عبر استحضار الإشارات الإيروتيكية وإشارات الخصب كدلالة مقابلة لفكرة الحلول عند الصوفية، لأن هذا الشعور التعويضي هو المضاد لبنية الفقدان المضمرة في حدوس غير معلنة، نجد مقابل (آثارقلبك) وهي صور استذكارية إذ هي تشيء بثنائية مفترضة للحضور والغياب عبر صور (آثار) وصورة (أرممها)، صورًا أخرى (هو صدرك بيدري)، وهذا التقابل الصوري يكشف عن شبق حسي ولغوي مثلما تتوالد عنه رغبة في التوحد والتبادل تجسدها البنية التساؤلية..

أتكونَ دفينَ انصِهَاري
حَبيسَ أنْوِيَتي ؟!
أتَقْبَلُ بِكيْنونَةٍ جَديدةٍ
لا تُحَرِّرُها إلاّ بَراكيني ؟!

إن ما يتحكم في أغلب بنى القصائد/ النصوص إحساس عميق بالأسى، تستفز من خلاله الذاكرة المعادية للصمت، فهي تعاين ذاتها من خلال الآخر (مصدر الأسى واللذة)، والذي تستله بدءًا من بنية الاستهلال (إليك، حيث أنت، فيّ أبدًا)، وانتهاء بإعادة استحضاره عبر سيولة من التفاصيل والصور والاتساع الذي يخل أحيانًا بإيجاز الشعرية! إذ تنحاز الشاعر هنا إلى هذيانها المصمم، هذيان الرغبة، هذيان التدفق والتوليد اللغوي المدجج بالاستعارات، وكأنها عبر هذه الشراهة تؤكد الحضور الرمزي، وتؤكد نزعة سيكولوجيا الامتلاك، مثلما تؤكد أيضًا طاقة البقاء التي تؤنسنها عبر تحقق العديد من الترميزات الموحية بقوة التملك والباثة لسياق التوافق الحسي..
في قصيدة "في مهب رصيف عزلة" تحاول الشاعرة أن تكشف عن رمزية فقدانها، إذ هي الأنثى الموغلة في آهاب رغباتها وتيقنها بأنها لن تستعيد إلاّ صورتها في المرآة؛، صورة المرأة الأنثى وليست المرأة الوجود، إذ هي التي تندفع إلى الاستعادة لأنها محكومة بالحب والتوحد واللذة والتبادل، والمرأة الأخرى محكومة بقانون الطبيعة.. تنحاز الشاعرة إلى أنموذجها المتعالي والأنوي والمهووس والمشخصن في عقدة المرآة، وتجد عبر خساراته وفقدانه إحساسًا متعاليًا وباطنيًا يجعل من مشاعرها المضطربة والقهرية استبطانا لاجتراح لذة داخلية/ استمنائية وعداوية هي سر ما يمنحها التدفق والتوحش واستعادة الحياة والحب ولو رمزيا...

آهٍ ...
ما أَشقاهَا المرأةَ
حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ
إلى زَنزَانةِ أَحلامِهَا المُستَحِيلَة ..
كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي حُوريَّاتِ الأَحلامِ
في سَحيقِ هَاوياتِها
يُهجِّنُ وِلادَاتٍ رَهيبةٍ
يَترُكَها أَجِنَّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها
*
قَد أَكونُ أَرهقتُكَ ؛
بِضَجيجِ فِكري
بِضَوضاءِ قَلبِي
أَشعرُ بالذَّنْبِ
حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسِيسي
وما مِن ذَنْبٍ أَقترِفهُ
سِوَى أن تتكَبَّدَ جَرِيْمةَ حُكْمِي
*
أُحِسُّ برَاحةٍ غَريبةٍ
حِينَما أُوقِعُ بِكَ قِصَاصِي
بِلُؤمٍ أَبْلَه


تكتب الشاعرة آمال عواد- رضوان تحت إيقاع هذه المشاعر اللجوجة، تغرق لغتها بغليان من الصور المحتدمة وحدوس الروح المتوجسة، (البنية الصوتية) تمثل فضاءها الذي تستغرقه كبنية استحضارية متدفقة، إذ يكون الصوت هو الناقل لوجعها الداخلي ونفورها ومزاجها القهري مثلما هو مجسها الذي تتلمس به الخارج بكل ما يمور به من أحلام ورؤى وتوهجات وفقدانات، والتي عادة ما تترك فراغا مريعًا! الصوت هنا هو لجوؤها الفارق والمدهش والباطني، تغلف إيقاعها بنبر خفي يتجاوز أحيانًا بنيته النثرية ليكشف عن إيقاع اللغة ذاتها؛ إيقاع التوتر، تصادم الرؤى، وتعاكس الأحاسيس، حتى تبدو اللغة هنا أشبه بالمصد الذي يحتك بالتباسات الخارج المرثي! إذ تصنع له الشاعرة كتابة في الرثاء، وتجعل من ذاتها المرآوية فضاء لحيوات ضاجة تكسر إيهام الزمن واغترابه، حيث ينطلق هذا الزمن من الماضي ليستحضر حاضرًا لا هوية له سوى أنه حاضر الجسد المكتنز بالنداء واستجلاب المحبوب الغائب والغائم كنوع من الإيهام برغبة التعويض أو الترميم، وأحيانًا تكون الكتابة استغراقًا في رثاء الجسد..
ومن هنا تضع الشاعر قصيدتها أمام لعبة إغواء متواصل؛ لعبة في استغراق الحياة، لعبة في الانفلات من المرارة، كتابتها نص الاستعادة هو محاولة للهروب إلى الأمام، دفعًا لاستعادة قوته في الشهوة والإشباع، واستئثارًا بكتابة هي الأقرب إلى كتابة المزاج، إذ تكون الشاعر أمام شراهة أنويتها وحيدةً تنحاز إلى آخر يشبهها لا خصوصية له سوى أن يتدفق، يطلق عصافير إشباعه ونشيده المباح.. ولاشك أن هذه القصيدة / النص تفترض لغة صاخبة لا تتسلل باطمئنان إلى الخارج، لغة غير مشبعة، انشطارية، لا زحمة في نظامها الدلالي، مفتوحة على شفرات الجسد وانشغالاته وحدوسه، حيث يكون الجسد هنا هو الحاضن الإشكالي الذي يفلسف أزمة الكائن في وجوده وفي عشقه وفي استمالته وارتوائه.. الشاعرة تطلق العنان هنا لهذه اللغة المتدفقة دون مواربة لأنها على يقين أنها تكتب لغتها، وتنزاح إلى استعاراتها الحسية التي لا تفلسف علاقتها مع الآخر.. لذا هي لغة محتوية لأنوية الشاعرة، حاضنة لقلقها وندائها وبوحها وتوحدها واعترافها!

يا خِشْيَتي مِنْكَ وَعَليْكَ
إنْ تَلتحَمْ أكوانُ كَلَفِكَ بِضُلوعِ جِنَاني
*أأقول
لا تَدْنُ مِن مُروجي
فَما اخضِرارُ بَتْلاتي سِوى سَرابٍ يَخلِبُ لِحَاظَ القِلوبَ
ويَفتنُ مَجسَّاتِ العُقول ؟

إن قصيدة "أنفض الغبار عن متحف فمك" تمثل قصيدة اعتراف موجع، تمارس فيها الشاعرة أقصى رغباتها في التصريح عن مكنونها وانهماكها باستعادة الآخر اللذوي والإشباعي إزاء توهمات حرمانها وفقدانها، وهذا التقابل الحاد يضفي على شفراتها اللغوية نوعًا من التعبيرية الحادة التي تتكثف أصواتها في صوت واحد هو صوت الأنثى التي تمارس إغواءها القديم بمواجهة ذاتها/ جسدها/ حريتها أولاً قبل الآخر الذي وضعت الشاعرة/ الأنثى فمه في المتحف، وهنا تتوهم استعادته دائمًا عبر اصطناع لعبة حضورية إفراغية، تفترض فيها إشارة (نفض الغبار) كنص مضاد للمتحف الذي يؤطره السكون، مثلما تتوهم المروج كعلامة مضادة للسراب، وتتوهم ثنائيات أخرى تتزاوج فيها رغبات الشاعرة المحتدمة..
إن شعرية آمال عواد- رضوان هي شعرية كفاية الحلم كما يسميها ابن عربي! إذ هي تستدعي وتستحضر سيرة فقدانها حتى تبدو وكأنها مروية حلم له نشوة الابتهاج وله قسوة المكاشفة، هذا الانجرار الحسي يجعلها أثر إيغالاً في تلذذ الكشف، وتحويل جسد الآخر إلى سطح لتدوين هذا الكشف الذي تتكثف مشهديته في نص فسيح/ توصيفي لا قاموس له سوى الرغبة، ولا امتداد له سوى اللحظة المكثفة المتوهجة التي تمنحها الشاعرة استعادة مكررة..

هو ذا القَلبُ خاشعٌ
راكعٌ في مِحرَابِ الاعترافِ
يتمتمُ في صمتِهِ الصَّاخبِِ
يا مَنْ تَرْجِمُني بِوابِلٍ مِن قُبُلات
لأجْمَلِ اقْتِراف


إن نصوص الشاعر لا تحتمل التأويل ولا تهرب بعيدًا عن المعنى! لأنها محمولة على كتابة موجعة وحلمية ومباشرة أحيانًا، تفرش قماشتها اللغوية بنوع من التوثب الذي يلامس روح أنوثتها النافرة والقلقة..هي تكتب نصًّا في استدعاء الغياب بكل ما يختزنه هذا الغياب من ترميزات واستعارات، والذي يحمل شفرة الآخر بكل توهجه وخوفه وخذلانه..
وجدت نفسي أتسلل مع قصائدها وكأني أبحث عن نهاية هذا الأسى وهذا الصحو في هذه اللعبة الماهرة داخل كيمياء الجسد واللذة، والتي تختمها الشاعرة باستعارة نداء (أيها) وهي إشارة للحضور الملتبس الذي يكشف عن أدوار تبادلها إياه الشاعرة الحرمان والنشوة والجنون وحتى الهذيان!

أيُّها القادمُ من رَحمِ الحرمانِ مَدفوعاً برياحِ النَّشوة والهيام،
تَخشى افتقادَ اللَّحظة،
تُحلّق في روائع الجنون
خشْيَةَ أن تصحُو من عَبقِ الهذَيان.


* شاعر وناقد.