الثلاثاء، أبريل 03، 2007

بسمة لوزية بأبعادها الجيولوجية النصية - رامي أبو شهاب



بسمة لوزية بأبعادها الجيولوجية النصية
قراءة في مجموعة آمال عوّاد رضوان
( بسمة لوزية تتوهّج)
رامي أبو شهاب

تنطلق الشاعرة آمال عوّاد رضوان في مجوعتها " بسمة لوزية تتوهج" من مناطق شعرية ذات أبعاد جيولوجية لا تتسم بوتيرة واحدة فهي، إما سحيقة في الأعماق، وإما ذات قشرة سطحية براقة جذابة، وبين الطبقتين تلونات لغوية ودلالية تحاول الشاعرة من خلالها إبقاء النص في وضع الارتقاء اللغوي المصاحب ببعد دلاليّ، ولكن هلاميّ عصيّ على الإمساك، والتثبيت في الدوائر الدلالية وما وراء المعنى .
تقيم الشاعرة كينونتها الشعرية معتمدة على لغة شعرية تتميز بقدرة عالية على حمل التوترات الشعرية إلى أعلى مستوياتها، فالمفردة في تناسقها الأفقيّ مع مثيلتها تشكل إسقاطا شعريا عاليا، حين تملأ مساحات من التخيل، تمهيدا إلى تحفيز حواس المتلقي، وتعول الشاعرة كثيرا على تلك المناطق، التي تقيم صورا ذات تشكيلات حواسية، ولكن في غطاء من الإيحاء الشفيف، الذي لا يتطاول إلى درجة من الغموض المتأزم، تقول الشاعرة :
أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ
يَنْدَلِقُ
نَسِيْماً رَطباً في مَعابِرِ رُوحِي
تَجمَعُني قُزَحاتهُ إضمَاماتٍ فوَّاحَةً
تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي
نَبَراتُ حُروفِكَ تُلاغفُ جَوانِحي
أَحَاسِيسُكَ تُسوِّرني
كَيْفَ أهْرُبُ
وَمسَافاتُ الوَلهِِ تَزدادُ نَقشَاً

فحفيف، يندلق، الرطب، الفواحة، تسورني، والوله، مفردات للتعاطي المباشر مع الحواس وهنا تعبر الشاعرة من منطقة المحفز إلى مرحلة التأثير ،فتلتقط المتلقي عبر جوّ مشحون بالدلالات ذات السياقات اليومية، وتبدو الشاعرة في تعاطيها مع هذا المتلقي حريصة على المحافظة على الإيقاع الداخليّ، وهي هنا تضعه في رحم جوّ شعريّ حيث المسافة، والحرارة مناسبة، فالشاعرة تمضي بالقارئ في إيقاع دقيق دفق، ولكنه دائما متروك لبداية أخرى ومحاولة أخرى لإعادة التشكل من جديد، و التطاول إلى أخيلة المتلقي الأسيرة، في إيقاع تراتبي داخلي :
أُسْكُبْني في فِنْجانِكَ
وارْتَشِفْني إنْ كُنْتَ تَسْعَد
هَلِّلْني بِسَعادتِكَ
أطْرِبْني بِلَذائِذِكَ
يا أيُّها المَسْكونُ بي وبِفُتوني
يا أيُّها العالَمُ الدَّفينُ بِمَكنوني
ويا أيُّها القارئُ الأصَمُّ لِشُجوني :
أريدُكَ حَيَّاً
أقِمْ صَلاةَ عِشقِكَ في مَعابِدِ غُصوني
عَلِّقْ تَمائِمَكَ عَلى أهْدابِ عُيوني

يلاحظ من خلال هذا المقطع، هذه المواجهة ومن ثم الاحتواء، حيث تستخدم الشاعرة أفعال الأمر، ولكن ضمن مردود عكسيّ، فهي تأمر ليكون القارئ هو المسيطر في تبادل للأدوار، ويبدو أن الضمير الياء، قد ساعد على صنع هذه العلاقة، بحيث يتمكن القارئ من الشعور بهذه الألفة والحميمية، وتنتقل الشاعرة إلى مواجهة القارئ في دعوة له تعتمد النداء ثلاث مرات، وهنا يبدو أن القارئ جزء أصيل في كينونة الشاعرة، فتحفر الشاعرة عميقا في لغتها لتبدو أعمق تأثيرا وحينا تبدو خفيفة تسرق المتلقي في حوار سريع هادئ، وهنا يبدو أن النسق الشعري الذيّ تعتمده آمال نسق إسقاطيّ، يعول على المتلقي كثيرا، فهذا النوع من الأنساق يتخذ المتلقي كعنصر بنائي في القصيدة، لذلك تحاول الشاعرة في البناء الأفقي للنص العمل على إيجاد مساحات للمتلقي، يلجها وهنا تكون اللغة في مستوياتها المختلفة يومية شعرية حسية الوسيلة الأنجع، وهكذا على المبدع أن يبحث عن تلك اللغة الآسرة، كي يشرك المتلقي بالنصّ ومن ثم يكون منتجا كونه مشاركا في حوار اللغة .
تعتمد الشاعرة في نصّها على منطقتين، تحاول من خلالهما البوح باتجاه الخارج والابتعاد كثيرا، ولكن ثمة عودة في النهاية، هذا الخارج هو تطويح معنوي بلذة البوح ومجانيتها تشتيت اللغة في مناطق متعددة، وهي دوما متجهة نحو القارئ أو ربما( الآخر )، ولكن في النهاية فإنها تعود أدراجها، فهي غالبا ما تواجه بسلبية ( وهنا الآخر )، فتسقط في احتضار معنويّ يتخذ شكل اللغة الحواسية التي تناولتها مسبقا :
ماذا أقولُ في حَبيبِ حَرفٍ لَم أنطقهُ بَعد
حَبيبٍ ينثرُ لَهفاتي حروفاً
يُلمْلمُ رَعشاتِ شَوقي
في جَدائلَ من كَلمات ؟
*
ماذا أقولُ فِيمَن ؛
يَصْهَرُني ...
يُذَوِّبُني ...
يُبَلْوِرُني ...
يَجْعَلُني ...
خاتَمَهُ الْمُرَصَّعَ السِّحْرِيّ ؟

لغة شعرية ومسافات لبناء نصّي محكم ومتحرك دوما نحو مناطق سهلة ممتنعة، تقترب منا من لذة شعرية جامحة، ولكن غير مكتملة فغالبا ما تعمل الشاعرة على تنفيس تلك الشحنة المتفجرة من التصاعد اللفظي والدلالي، كل على حد سواء، إن الشاعرة آمال هي سيدة كونها الشعري وهي الآمرة الناهية به :
ألقيتُ بثَوبِي عَليهِ
قلتُ : إليكَ بهِ
يا لَبهائي حين تُرتِّقُ بِحروفِكَ أثوابي ..
اختزَلَني أثيرُ صوتِهِ ... صَفَعَني
ويْحَكِ ..
أوَ تُلقينَ عليَّ بِمصفوفاتٍ مَعدنيَّة !
*
آهٍ لِحُبَيْبات قَلبِي
كحبَّاتِ البُنِّ
تُحمِّصُها ... تَحرقُها
في حَميصِ القَسوةِ
والشّوق إليكَ
الشّوقُ إليْكَ يُشعِلُني

جمالية اللغة هي مرتكز شعري تقوم الشاعرة به، في إعطاء نصها بعدا حيويا وتخليصه من جمود الشعر الذي أصبح سمة من سمات الشعر المعاصر، وهنا يكون الاختزال والتكثيف والانفتاح الثقافي للغة الشعرية، هو العالم المسيطر على بنية قصيدة النثر، فالقصيدة تسير نحو اللاشيء ولكن لتقول كل شيء، وهي في تخلصها من القيود وانبعاثها من جديد توجد إيقاعا جديدا ، يتعالى على الإيقاع الخارجي لجرسٍ موسيقيّ حروفي، ويتبدى إيقاع وجرس داخلي ممتلئ وخفيف في آن واحد .
هذه محاولة بسيطة لتلمس ضفاف نص آمال عوّاد رضوان، وهي قراءة واحدة لنص محمل بالقدرة على وضع نفسه في كل مرة في منطقة جديدة وعمق جيولوجي قابل للاكتهان والتنقيب .