السبت، يونيو 24، 2006

الظاهر والخفيّ في"بسمة لوزية تتوهج" للشاعرة آمال عوّاد رضوان - د.بطرس دلّة

د.بطرس دلّة

في زياراته إلى بيتي، فاجأني الأستاذ الأديب محمّد علي سعيد ببعض الهدايا القيّمة التي أراد إشراكي في انطباعاته عنها، بعد أن قرأها وتمتّع في قراءاتها، كما ذكر لي.
والأديب أبو علي، تلميذنا سابقاً، تربطنا به أواصر صداقة متينة لأن بيننا خبزاً وملحاً ثقافيين! وله نظرة ثاقبة إلى ما يصدر من إبداعٍ محليٍّ وعالميٍّ، إلى جانب نشاطاته المختلفة في كتابة القصّة والمسرحيّة وفهم المقروء ودراسة اللهجات في اللغة العربية، ولديه مكتبة ضخمة لا يملّ القارئ منها لو أقام فيها عشرات الأيام.
المجموعة الشعرية التي نحن بصددها للشاعرة آمال عوّاد- رضوان هي إبداع من نوع مميّز، قدّم له الأديب الشاعر محمّد حلمي الريشة بمقدّمة جميلة جدّاً، بحيث يحثّ القارئ على قراءة المجموعة دون تردّد.

لماذا الظاهر والمخفيّ؟
من يقرأ المجموعة الشعرية قراءة سريعة يتكوّن لديه شعور بأنّها عبارة عن رسالة حبٍّ كتبتها الشاعرة بحميميّة خاصّة إلى من تحبّ، ولكنّه ظلّ في مخيّلتها يحتلّ مكانة مرموقة في مشاعرها، ولذلك فهي تكتب عن شوقها ولهفتها للقائه، الأمر الذي لا يقبله مجتمعنا العربيّ– الذكوريّ المتزمّت. إلاّ أنّ قراءةً ممعنةً ثانيةً، تكشف للقارئ الذكيّ أنّ وراء الكلمات ووراء كلّ قصيدةٍ قصّةً إنسانيّةً ليست بالضرورة قصّة الشاعرة نفسها، لأنّ الشاعر قد يكتب عن معاناة الآخرين كما لو كان يخوض تجربة هذه المعاناة بنفسه. فالقصائد، بشكل عام، تحكي رواية الكثيرات من فتيات مجتمعنا العربيّ، والحرمان الذي تعيشه بعض الفتيات اللواتي قسا عليهنّ هذا المجتمع وحرمهنّ من أبسط الحقوق الديمقراطيّة ألا وهو حقّ الحريّة!
ولذلك، فإنّ الشاعرة تكتب شعراً وجدانيّاً تتحدّث فيه عن الروح الداخليّة، معبّرة عنها بحميميّة ليس لها شخص معيّن أو امرأة معيّنة، وإنما قد تنطبق على بعض النماذج الأنثويّة في عالم يسيطر فيه الرجل، حتى في الألفيّة الثالثة التي نعيشها. فحواراتها الروحيّة، وتواصلها بالكلمات مع أيّ نموذج نسائيّ، لا يعني أنّ هذه المرأة أو تلك هي صديقة للشاعرة أو قريبة لها، بل قد تكون نموذجاً معيّناً متواجداً في مجتمعنا، وليس للشاعرة أيّة صلة خاصّة بها سوى أنها تتماثل معها من باب الدعم وتبني قضية المرأة في معاناتها.

جداولها شهيّة
في قصيدتها الأولى "أحنّ إلى حفيف صوتك" لهفة شديدة لسماع صوت الحبيب الذي تزداد مسالك الشوق في قلبها يوماً بعد يوم، خصوصاً لأنها أدمنت دنان حزنه بسبب النار التي تأكله وتشرب دماءَه، وتطالبه أن يفتح لها قلبه الذهبيّ.
ولأنها تشبّه صوته بحفيف أوراق الأشجار، فإنها تدعوه دعوةً صريحةً أن يسمح لها بتجديد ماء حدائق قلبه، لتجعل النبات فيها وروداً تتراقص بينها شغفاً، فتسبح قناديلها في جداول هذه الحديقة الشهيّة! فهل تعايش الشاعرة في هذا الكلام إنساناً معيّناً؟
هذا السؤال يلحّ على القارئ كي يبحث بين الكلمات عن شخصيّة الحبيب! من أجل ذلك، ترجوه السماح لها بأن تروي براري عطشه بأمطار عينيها، فهي تشتاقه أبداً، ولا تستغني عن العلاقة به! فدموع المرأة سلاحٌ لا يستطيع الرجل مقاومته! والحقيقة هي أنه جميل أن تتوق المرأة إلى من تحبّ، لأنّ ذلك حقّ طبيعيٌّ؛ فهي مخلوقة لها مشاعرها، تحبّ وتكره كما تشاء، ولكن الأجمل من الشوق ومن الدموع هو استبدال هذه الدموع بالقبلات مثلاً؛ لأنّ القبلة سوف تثير في الرجل حنيناً قويّاً وحبّاً متجدّداً من أجل الوصال معها، ومن ثمّ صناعة الحياة! لأنه من أجل صناعة الحياة، والحفاظ على ديمومة الجنس البشريّ، خلق الله الذكر والأنثى، فهذه هي طبيعة الأشياء!

المرأة والكبرياء
في قصيدتها "في مهبّ رصيف عزلةٍ" تتساءل الشاعرة سؤال العارف: كيف تمنح الحبيبَ قلبها وقد اختطفته ملائكة الحب إلى فسحة من العراء؟! فطالما هو في أحضان الأخرى، إذاً فما عليها إلاّ أن تركن حيالها عاجزة شاردة الروح حيث تعيش في زنزانة أحلامها المستحيلة.
ومع كلّ القسوة، فإنّ لديها شيئاً من الكبرياء يجعلها توقع به قصاصاً تراه مناسباً لذلك الحبيب الهاجر، ولكنها تعود إلى الحنين معلنةً أنّ قلبه قد احتلّها، وأنّه تحوّل إلى ظلٍّ يلاحقها؛ ظلٍّ لصيقٍ بحرفها، بخوفها، وبعطفها، حتى باتت مرهونة له، يدثّرها بثوب الإثم، فترجوه ألاّ يتركها رعشة في مهبّ رصيف عزلة، بعد أن اعتادت نسائمَه التي تطيب لها في كلّ حين.
فهي، إذاً، تتذلل له، وترجوه ألاّ يهجرها، فتبكي كما في القصيدة السابقة، وتعود إلى كبريائها راجيةً أن يعاملها معاملة الندّ للندّ!
والحقيقة أنّ الربط بين هذه القصيدة وسابقتها هو ما يبدو لأوّل وهلة للقارئ، إلاّ أنّ التمعّن بالكلمات يجعل كلّ قصيدة وحدةً قائمةً بحدّ ذاتها؛ فكلّ قصيدةٍ هي موضوعٌ منفردٌ قائمٌ بذاته، على الرغم من الترميز إلى التواصل بين قصيدةٍ وأخرى!
في قصيدتين أخريين هما "أنفض الغبار عن متحف فمك" و"أوتارٌ متقاطعة" ترسم الشاعرة بالكلمات صورتين لامرأتين؛ الأولى امرأة تترنح في قوارب أحلامها مخدَّرَةً، تعيش في دوّاماتٍ مفرغةٍ من الحروف، ترتشف دمعاً يترشّح حيرةً من ثقوب قلبها على أوتار الذاكرة والنسيان المتقاطعة. بينما المرأة الأخرى ترى في حبيبها ساحراً تشدو له في صلاتها لوعةً، وتفيض ينابيع قلبها حبّاً جامحاً فيه الكثير من نوبات الذهول، فتتحوّل إلى لغةٍ من نوعٍ آخر، وتنقلبُ إلى امرأةٍ برّيّةٍ قطْرها مرٌّ، تتشظّى في سيول يديه عندما يغمرها بطوفانه، فعلى ضفاف روحه تنمو أشجار توهّجها مثقلة بثماره، لأنَ لكلّ عودٍ من هذه الأشجار عصارةٌ، وهو- الحبيب- هو أشهى عصارةٍ لديها! والسؤال: هل هي المرأة أم أنّ الشاعرة تروي قصّة كلّ امرأةٍ على حدةٍ وشتان ما بينهما؟!

كي لا تتهاوى
هذه القصيدة الوجدانيّة الطافحة بالمحبّة الحقيقيّة لدرجة إنكار الذات، هي قصّة إحدى الفتيات التي تخترعها الشاعرة، تتبنى قضيّتها، حيث ترى في الحرمان والبعاد الذي يمارسه الحبيبُ خطورةً عليها، لأنها معرّضة ٌلأن تتهاوى، مع أنّ لديها بعض الأمل في تحويل برق العيون إلى أقمارَ تضيء صحارى الأرواح، حيث الرؤى اللامحدودة في آفاق الأجساد، فتتوجّه إليه طالبة المسامحة، لأنها تؤمن أنّ في حقول صدره متّسعاً لاخضرار حرفها الشقيّ، وأنّ مرافئ عينيها الزرقاوين يجب أن تكتحل بزرقة شعره المتماوجة!
هنا، لو حاولنا قراءة ما وراء السطور والتلميحات الذكيّة، لرأينا أنّ هذا الحبيب هو الوطن الذي لا غنىً عنه، وأنّ محبّة الوطن، لا بل عشقه، يصل إلى درجة التضحية بالروح وليس فقط بالدمعات!
: تقول
!"سامحني
إن لم تتسع حقولُ صدْركَ
لاخضرارِ حرفي الشقيّ
إن لمْ تكتحلْ مرافئُ عينيْكَ
بزرْقةِ شِعْريَ المتماوجة"
(ص37 )
يزيدُ من شوقها إلى الوطن الحقيقيّ؛ حقيقة ضياع هذا الوطن
وفي قصيدتها "شوقي إليكَ يشعلني" (ص40 –50) تتلوّع شوقاً إلى الوطن الذي تبخّر وتشظى، وهي لا تستغني عن حضن ذلك الوطن الذي يعاني الجفاف، بينما تتحوّل شجونها إلى عزف ناياتٍ علَّها تبعث الحياة في ذلك الضائع الهالك.
تقولُ
"
أترطِّبُ بلظى السكونِ نيرانَ أحضانِكَ؟
أتبعثُ شجونيَ الحياةَ في عزْفِ ناياتِكَ؟"
(ص50)
فهل تعود الحياة إليه ليعزف على ناياته كما عهدته شاعرتنا؟
غـربـة
ليس لديّ شكّ في أنّ الشاعرة تعيش جوّاً من الغربة حتى وإن كانت تعيش داخل الوطن! فقلبُ الشاعرة غصّه الحزن وهدّه امتهانُ الروح، وقد رحلتْ أحلامُها على أجنحةِ النّور والظلام، وهربتْ من مداراتِ الرّعبِ الدامي وخرجتْ من جاذبيّة كوكب اللئام
تقولُ في قصيدة :أيائل مشبعة برائحة الهلع
عيونُ الشرّ تتربّصهمْ
في كلّ اتجاهٍ وآنِ
تستنفر حواسّ الذّعر
تستثيرهم
تستنفر موْتَهم إلى الموت
"!
(ص56)
فمن هم هؤلاء المستفَزّون حتى الموتِ إن لم يكونوا أطفالَ الحجارةِ وشهداءَ الانتفاضة؟!
إنها تتحدّث وبذكاءٍ عن شعبنا العربيّ الفلسطينيّ،وعن صور الانتفاضة الحزينة، وعن القتل وهدم البيوت،وعن ضياع دم الشهداء لأنّ أرضَ فلسطين متعطّشة لدمائهم!
وفي قصيدة أخرى تتبنى الشاعرة قصيدة صديقةٍ حميمةٍ قريبةٍ إلى قلبها هي رمزُ للوطن،فتتحوّل بلهجة المتكلّمة إلى ناطقة بلسان هذه الصديقة بقولها
على قارعةِ الانتظارِ جلستْ
تتسوّلُ فتاتَ حروفٍ مبعْثَرات
تتناثرُها أعاصيرُ الهجرِ
على مرمى انشطار الحدود"!
(ص58)
وتتابع قولها

أتراني تشكّلني الأقدارُ دمعا خافتا؟
تنزّني الأوجاعُ أنينا صامتا؟
وتسدِلُ على بؤسي ستائرَ الأعذار؟

.........
فلتنزفْ دماؤُنا وقودَ سراجِ الذكريات
(ص62-63)
أليسَ هذا ما يشعرُ به الإنسانُ الفلسطينيُّ الذي يحملُ همَّ الوطن، ويسترجعُ ذكريات الماضي عندما كان يعيشُ على أرضِ الوطن؟! هذه الكلماتُ فيها سحرُ الرومانسيّةِ الحالمةِ الممزوجةِ باللوعةِ على فقدان الوطن.
هل بعد هذه اللوحات التي رسمتها الشاعرة حروفاً مضيئةً ووجدانية بقلمها السيّال من كلام؟!
أليس ما كتبه الشاعر الأديب محمّد حلمي الريشة في تقديمه للكتاب صادقاً عندما كتب
:
"هل كان هذا هو البدّ الذي لا بدَّ منه؟! أحسّه نعم! إذ أحسستُ وأنا أقرأ شعر الشاعرة القادمة آمال عواد رضوان، أنها تدعو القارئ، قارئها، إلى أن يقلب وضعَ عينيه عكساً، إلى الداخل، ليرى بحسِّ نظرِهِ أوّلاً، كينونة بواطنه المغيّبة بفعل واقعٍ يضجّ شراهة ويجنح افتراساً، مغيّباً حراكاً جمالياً كان يسدل ظلاله النديّة على جفاف الحياة وعطشها العضال."
(ص8)
ويضيفُ:
"بسحر هذه الكلمات، ومثيلاتها من/ في معجمها الباطنيّ، تتورّد الحياة حتى في خريفها... إنها صرخات تمرّد القلب مدركاً غياباً لا بدَّ من حضوره، وفقداً لا بدّ من انوجاده.
حقاً.. إنّ الشعر، في حدائق الشاعرة هنا، ناقوسُ الروح منادياً، بإيمانٍ، أنّ القلب حديقة الحياة تستحقّ عشّاقها، وأنّه، بمعنى جديد جميل من معانيه كما رسمته
الشاعرة، بسمة لوزيّة تتوهّج على شفاهه!"
(ص10)
هنيئا لك أيتها الشاعرة على هذا الإبداع الرائع، وأنا لا أبالغ إذ أقول الرائع، لأنّ لغة الديوان هي نبض لحياة في الكلمات، وهي، أي اللغة، تحمل مدلولات أبعد من معانيها المألوفة، والشعر إذا كان سرداً عاديّاً فقد مصداقيّته كشعر، وتحوّل إلى كلامٍ منثور! فلديكِ تحديثٌ في المبنى اللغويّ وفي المعاني العميقة.
فتحيّاتنا لكِ مع أطيب الأماني بتحقيق حلم الوطن الجريح وعودة المُبعَدين قسْراً عن هذا الوطن

(كفر ياسيف)

الشفافيّةُ الشعريّةُ لدى الشاعرة آمال عواد رضوان في "بسمة لوزيّة تتوهّج"


"الشفافية الشعرية لدى الشاعرة – آمال عوّاد رضوان
في "بسمة لوزيّة تتوهّج
"
دراسة : الدكتور منير توما – كفرياسيف - فلسطين
ِ
لقد استمتعتُ جدًّا بقراءة المجموعة الشعريّة للشاعرة آمال عوّاد رضوان التي تحمل عنوان" بسمة لوزيّة تتوهّج"
حيث لمستُ في قصائد هذه المجموعة أنّ الشاعرة فتاة شفافة، رقراقة، حانية اللمسات، رائقة المشاعر،فهي تمثّل الإنسانة التي تعيش وتحيا بالحب.

إنّها تعيش الحبَّ..بخيالها وروحها ... وقلمها ...ذلك الحبّ الذي تشعر به مع الحبيب...ذلك الحبّ الذي يوحي بطابع الحزن.. والألم.. والتشاؤم أحياناً، فهي تكتب بنفسٍ حزينة.. موجوعة لأنها تحلم بحبيبها الذي يهدي روحها .. وتشعر في قربه.. بسكينة النفس وراحتها. فشاعرتنا كيان.. ممزوج بوجدٍ وشوقٍ ..وذهول.. وجوع فكريّ ..لا يكتفي .. وعطشٍ روحيٍّ لا يرتوي .. مع استعدادٍ كبيرٍ للطرب والسرور..واستعداد أكبر للشجن والألم ... ويغلب الشجن والألم على الفرح.. والسرور..

وهذا يشير إلى أنّ شاعرتنا فنّانة.. رقيقة اللمحات.. واللمسات.. فنانة.. موسيقية.. بارعة .. تترك انطباعًا لا يُمحى في نفس كلّ من يقرأ شعرها لأنّه يُجسّد الأنوثة الجذّابة.

إنّ خلجات نفس شاعرتنا وأنين مشاعرها تبدو واضحةً في قصائد مجموعتها الشعريّة هذه، كما أنّ عشقها للحبيب يتبدّى رقيقًا كنسمات الحياة، فحبّها له يفوق كلّ وصفٍ ... ويفوق كلّ حبٍّ .. فهي تنتشي بكيانه وتهيم بروحه، وتتطلّع الشاعرة إلى حبيبها مخاطبةً إيّاه.. وتقول:

لمَ يتأوّهُ حبيبي
والنار تتآكلُ في دمائه ولا تأكلـُهُ؟
أما كان الأولى بنيرانِهِ أن تتأوّهُ؟
إفتحْ لي قلبَكَ الذهبيَّ حبيب قلبي
واسكبْ أحشاءَهُ على راحتيَّ..
بالأمسِ
سمعتُ وعولَكَ تناغي ظباءَ حزنِكَ
آهٍ يارحمَ روحٍ
تتفتّقُ ولادةَ وجْدٍ في روحي:
أنولدُ فينا؟
(ص14-15)

وفي هذه الصّورة نرى انّ الوعولَ والظباءَ تُمثّل الرغبات العاطفيّة، وتدفعُ بالمتحدّثِ إلى أن يكون أكثر انفتاحًا وأقلّ خجلاً في حضورِ الآخرين. كذلك فإنَّ الوعلَ أو الظبيَ قد يُشيرُ إلى حاملٍِ خفيٍّ لأنباءٍ جيّدةٍ وإلى التحذيرِ من اتخاذ قراراتٍ متسرّعةٍ كرسالةٍ إلى تجنّب التعليقاتِ المتهوّرةِ والطائشةِ. علاوةً على ذلك، فإنَّ الظبيَ يبدو دائمًا كضحيّةٍ أو رفيقٍ، فالظبيُ في هذه المقطوعةِ يرمزُ أيضًا إلى حياة الحبِّ الطويلةِ التي يكابدُ آلامَها وشجونَها الحبيبان.

إنّ الفتاةَ التي تتحدّثُ بلسانِها شاعرتُنا ، تُجسِّدُ بركانًا من الألمِ ولهيبًا من النيران.. وبحرًا من الدموع. تبكي الحبيبَ البعيدَ الغائبَ، والوحدةَ المريرةَ وتذوبُ فيهِ عِشقًا وحنينًا وهي تقول:

دعني أروي بأمطارِ عينيّ
براريَ عطشكَ
أُلمْلِمُني لكَ ظلالاً
وأشتاقُكَ أبدًا.
(ص17)

إنَّ شاعرتنا تريد أن تخبرَنا بأنَّ الحبَّ هو ركنٌ من أركانِ هذه الحياة، فلولاهُ لما كانتْ لهذه الحياةِ بهجةٌ أو لذّةٌ، فرحةٌ أو دمعةٌ، شوقٌ أو لوعةٌ، فراقٌ أو لقاءٌ، أملٌ أو يأسٌ، صبرٌ أو انتظارٌ، بدايةٌ او نهايةٌ خصوصًا للمرأة العاشقةِ التي تحولُ الظروفُ الاجتماعيّةُ بينَها وبينَ تحقيقِ رغبتِها في العِشقِ والغرامِ ولذّةِ الحبِّ وبهجتِهِ وذلك يتجلّى في قولِ شاعرتِنا:

آهٍ ...
ما أشقاها المرأةُ
حين تُساقُ مقيَّدةَ الرغبَةِ
إلى زنزانةِ احلامِها المستحيلة...
كأنَّ الشوقَ يرمي حوريّاتِ الأحلامِ
في سحيقِ هاوياتِها
يُهَجِّنُ ولاداتٍ رهيبةً
يتركهاأجنّةَ حبٍّ على ثدْيِ انتظارها
(ص20)

وبالعودةِ إلى الحبّ نقول إنَّ شاعرتَنا توحي لنا بأنَّ الحبَّ هو أقوى قوةٍ على الأرض، قوّة الحبِّ هي قوّةُ الوِحدةِ، ولا شيءَ يستطيعُ الوقوفَ في طريقِ الحُبِّ والذوَبانِ أو الانصهار في الحبيبِ لا سيّما إذا كانت المرأةُ هي المُحبّة العاشقةُ في حالتنا هذه.

فجوهرُ الحبِّ هنا هو العطاءُ. الحبُّ يعني المشاركةَ والاتحادَ الجسديَّ والرّوحيَّ عبرَ العاطفةِ الجيّاشةِ التي تعتملُ في نفسِ العاشقةِ ، فحبُّها بلا حدودٍ ولن يُستَنفَذَ لأنَّ الحبَّ عندها هو أن تعطي أوّلاً، والحبُّ في مفهومِها وتجربتِها هو الدّاءُ الذي ابتُلِيَتْ بهِ، فهي تُعاني من العاطفةِ ولا تستطيعُ المقاومةَ، ومع ذلكَ، في أعماقِ هذهِ العاطفةِ توجدُ الحقيقةُ وقوّةُ الحياةِ الدائمةِ، وهي بدون هذا الرباطِ الذي يُدعى الحبُّ، فإنّها ستكونُ في ضياعٍ وليسَ لديها شيءُ للقيامِ بهِ سوى الانتظارِ عبثًا من اجلِ شفقِ الحياة.

شاعرتُنا تتألّقُ في تعبيرِها عن هذا الحبِّ من خلال كلماتِها، فبدونِ كلماتٍ ليس هناكَ حبٌّ،وبدونِ حبٍّ ليس هناك كلمات.
الحبُّ هو كلمةٌ جيّدةٌ، وتفكيرٌ جيّدٌ، وذبذةٌ جيّدةٌ، ولحنٌ جيّدٌ، وهذا ما جادتْ بهِ الشاعرةُ في مجموعتِها الشعريّةِ هذه حيثُ أظهرتْ بكلماتِها الشفّافةِ أنَّ في الشخصِ الذي تحبّ، ذاتَها الثانيةَ ، فالحبُّ مع معاناتِها هو جمالُ الرّوحِ، فهيَ تُحبُّ بسخاءٍ كي تعيشَ بسخاءٍ، وهيَ تحبُّ إلى الأبدِ كي تعيشَ إلى الأبدِ، فهناكَ جمالٌ حقيقيٌّ في القلبِ يهتمُّ ويُحبُّ ، لأنَّ الحبَّ كما تُصوّرُهُ شاعرتُنا يُؤمِنُ بكلِّ الأشياءِ، ويُعاني من كلِّ الأشياءِ، وخيرُ ما عبّرتْ بهِ شاعرتُنا عن هذه المعاني قولها:

كيفَ آمُرُني أن أُغادرَكَ؟
قلبُكَ احتلّني
روحُكَ تتجلّى في مرايا روحي
وأنتَ ظلّيَ المُلاصِق
بحرفي...
بخوفي...
بعطفي..
أناالمصقولةُ بكَ المرهونةُ لكَ
كم بتُّ رهينةَ روعتِكَ!
أرتاعُ حينما أُحِسُّ بالشّوقِ
يُدثِّرُني بثوْبِ غلإثْمِ
أجزعُ وأهرُبُ
كي لا أُكابدَ
في وِحدَتي
مغارزَ الألمِ
لا تتركني رعشةً
فيمهبِّ رصيفِ عزلةٍ
رغمَ أنَّ تلكَ النسائمَ أصبحتْ
تطيبُ لي وتُغفيني
(ص22-23)

ومن هنا يتّضحُ لنا أنَّ الفتاةَ العاشقةَ التي تتحدّثُ شاعرتُنا باسمِها تشعرُ أنَّ قلبَها يذوبُ حنانًا وحنينًا ولهفةً، إنّها تتألّمُ، وتشعرُ بازديادِ التآلفِ والقربى مع حبيبِها على الرغمِ من كلِّ بعادٍ يفصِلُ بينهما، فالشّوقُ يُعاودُها إلى صورتِهِ وشخصِهِ وروحِهِ، إنّه الحبُّ الذي لا شفاءَ فيهِ، فهي التي أشعلتِ النارَ وزادتْها توهّجًا ... وتعلّقًا به وحنينًا إليهِ.. حتّى أخذتْ حياتُها تتّخذُ شكلَ الأسطورةِ الخياليّةِ، فكانتْ في حُبِّها مثاليّةَ الفِكرِ والشعور والوجدان.وعليهِ ، فإنَّ الحبَّ في نظر شاعرتنا هو أن تشعرَ بالذاتِ الكاملةِ بوجودِ الآخر، والحبُّ في رأيِها هو النّورُ وضوء شمسِ الحياة، فنحنُ لا نستطيعُ أن نمنعَ أنفسَنا بالكاملِِ، أو أيّ شيءٍ آخر، ما لم شخصٌ ما نحبّهُ يستمتع بهِ معنا.

حتى لو كنّا لوحدِنا، فإنّنا نختزنُ متعتَنا على أملِ أن نشاركَ بها لاحقا مع أولئكَ الذين نحبّهم، والحبُّ لا يعرفُ المقاييسَ، لكنّهُ يتوهّجُ بدفءٍ فوقَ كلِّ المقاييسِ، الحبُّ لايشعرُ بالعبءِ وسيفعلُ عن رغبةٍ أكثرَ ممّا يقدرُ، ولا يتوسّلُ المستحيلَ، لأنّهُ يشعرُ بكلِّ تأكيدٍ أنّهُ يستطيعُ وقد يفعلُ كلَّ الأشياءَ.

وفي قصيدة "عصفورة النار" يتجلّى ذلك بوضوحٍ من خلالِ الترميزِ الذي تلجأُ إليهِ شاعرتُنا حيثُ أنَّ "علّيقةَ موسي" "واخضرار ناري" يتواصلانِ مع العنوانِ " عصفورة النار" فالعصفورة هي رمز الحريّة والانطلاق، والنارُ هي رمزُ الطرازِ البدائيِّ أو النموذج الأصليِّ للرّوح والحبِّ(archetypal symbol) كما أنَّ النارَ أيضًا هي رمز اللبيدو أو الطاقة الجنسيّة الكامنة، وبالتالي فهيَ ترمزُ إلى الحسيّةِ والعاطفةِ القويّةِ كليّةِ الاستهلاكِ . كذلك ، فإنَّ عالمَ النفسِ الكبيرِ كارل يانغ يرى في النار رمزًا للتطهّرِ أوالتخلّصِ ممّا هو قديمٌ أو عديمُ الفائدةِ، ولكن عصفورة النار في هذه القصيدةِ التي تتماهى معها شاعرتُنا لا تُحرقُ ولا تُرمِدُ فهيَ رمزٌ للدفءِ العاطفيِّ والحرارةِ المنبعثةِ من الإنسان المُحبِّ المُتوقِّدِ الأحاسيسِ والمشاعرِ التي لا تخبو ولا تتلاشى.

وفي هذا الصّددِ تقولُ شاعرتُنا:

جعلتُ قلبَكَ علّيقةَ موسى
تشتعلُ باخضرارِ ناري
ولا تترمّدُ!

أنا عصفورةُ نارٍ
لكنّي..
لا أُحْرِقُ ولا أُرمِدُ
وما كنتُ أنفخُ في رمادٍ
بل،
أُلهِبُ الصّدورَ المُرمّدةَ ... بجماري
(28ص )


وهكذا نرى شاعرتَنا تُلمِّحُ أنّهُ يمكنُ فهمُ الحبِّ فقط"من الداخل" كلغة يمكن فهمها فقط بواسطة الشخصِ الذي يتحدّثُ بها، وكعالَمٍ يمكن أن يفهم فقط بواسطة الشخص الذي يعيش فيه.

وتريد شاعرتُنا أن تقولَ بأنّهُ ليسَ هناكَ من علاجٍ للحبِّ سوى أن تُحبَّ أكثرَ ، فآلامُ الحبِّ هي أعذبُ بكثيرٍ، من كلِّ المسرّاتِ الأخرى كما تعكسُ ذلكَ المقطوعةُ التاليةُ:

آهٍ لأنهارِ عشقي
كم تزخرُ بالشّوقِ الحارقِ إليْكَ
وعلى ضفافِ شفتَيَّ
تنحسِرُ لهفاتي.
(ص35)


إنَّ الحبَّ في عيونِ شاعرتِنا أقوى من كلّّ العواطفِ ، لأنّه يهاجم في آنٍ واحدٍ الرأسَ ، والقلبَ، والأحاسيسَ، ويبدو أنَّ الشاعرةَ قد نشدتِ الحبَّ، أوّلاً لأنّهُ يجلبُ النشوةَ، ففي اتحاد الحبِّ ترى الشاعرةُ، بشكلٍ مصغّرٍ غامضٍ، الرؤيةَ المسبقةَ لربيع السّماءِ المتمثّلِ ببسمة الحبيبِ اللوزيّةِ رمز الأمل والحياة والإشراق، وها هي تنشدُ قائلةً:

ماذا أقولُ في من؛
يَصهرُني....
يُذوِّبُني...
يُبلورُني....
يَجعلُني...
خاتمهُ المُرصَّعَ السحريَّ؟
ماذا أقولُ في من؛
يزرعُ شفاهِيَ بأغراسٍ من قُبَلِ رضى؟
حينَ يُوشّي عينيِّ
ببسمةٍ لوزيّةٍ تتوهّجُ حياةً وحياء؟
(ص48-49)

ممّا تقدّمَ نستخلصُ بأنَّ الشاعرةَ آمال عوّاد – رضوان تتمتّعُ بموهبةٍ شعريّةٍ أنيقةٍ، رومانسيّة النزعةِ يغلبُ عليها الطابع الرقيقُ الشفّافُ المحلّى بلغةٍ ألفاظِها سلسةٌ انسيابيّةٌ تأسِرُ القارئَ والسّامعَ بعذوبتِها ورقّتها لما فيها تمجيدٍ أخّاذٍ للحبِّ الرّاقي غيرِ المبتذلِ الذي يزدادُ اتّساقًا بالصّور الأدبيّةِ اللافتةِ لا سيّما وأنّها صادرةٌ عن خيالٍ أنثويٍّ يمتازُ بالخصوبةِ المتموِّجة في عالمِ الحبِّ والغرامِ.
فلشاعرتِنا أجملُ التهاني بصدورِ مجموعتِها الشعريّةِ هذهِ ، آملينَ لها مزيدًا من العطاءِ والإبداع.

إطلالةٌ نقديّةٌ على قصيدة النثر عند الشاعرة آمال عوّاد رضوان



إطْلالة نقدية على قصيدة النثر عند الشاعرة آمال عوّاد رضوان
عُصْفُورَةُ النَّارْ .. ومُهْرَةُ الشِّعْرِ الأصِيلَة
إبراهيم سعد الدين

شِعْر آمال عوّاد رضوان ليسَ كغيره من مألوفِ الشِّعْر.. لا لأنّ له طعماً خاصّاً ومذاقاً فريداً ونكهةً مُمَيَّزةً فحسْب.. بل أيضاً لأنه يحتاجُ قراءةً خاصّة.. فهو ليس ذلك النوعُ من الشعر الذي تقرؤه على عجل.. وتكتبُ عنه انطباعاتٍ سريعةً عابرة..وإنما ينبغي عليكَ أن تتهيَّأ لقراءته بكثيرٍ من الصبرِ والحَيْطةِ والحَذَرْ.. فهو أشبه بوردةٍ برّيّة لن تتمكن من استنشاقِ عبيرها دون أن تُدْمِي أصابعك بوخز أشواكها.. وهو أشبه بالعَسَل الجَبَليّ.. لن تشعرَ بحلاوته المُسْكرة في فمك دون أن تحتمل لدغات النحل..
ثم إنه يتطلبُ من قارئه مراساً ودَرَبَةً ومعايشةً واستئناساً..فلا تتعجّل الكتابة عنه بعد قراءته.. لأنه يحتاجُ منك قراءة ثانية وثالثة .. وفي كل مرة ستجد نفسك في حاجةٍ إلى معاودة النظر..والإطلال مرة أخرى على هذا العالم.. فكل قراءة جديدة قد تُقَرِّبُكَ منه خطوة لكنها بالتأكيد لن تُسْلِمَك مفاتيح هذا العالم المليء بالرموز والمجاهل والأسرار.

قصارى القول أنك إزاء هذا العالم ينبغي أن تَسْتَنْفرَ كُلََّ حواسِّك وتتسلَّحَ بكل ما يمكنك من نفاذ البصيرة وحدّة الإدراك وملكاتِ التذوق .. فالقصيدة هنا أشبه بمهرةٍ بَرِّيََّة جامحة.. لا يقدر على ترويضها واعتلاء صهوتها غير خَيّالٍ أصيلٍ متمرّسٍ بالخيْلِ والشعرِ معاً.

لا أدري لماذا يُذكِّرُني شعر آمال عوّاد رضوان ببواكير شاعرنا الكبير محمد عفيفي مطر.. في ديوانيه الأوّليْن: "من دفتر الصمت" و "ملامح من الوجه الأنبادوقليسي".. اللذيْن كانا أشبه بحجريْن هائليْن ألقيا ببحيرة الشعر التي شهدت فترة سكونٍ بعد الانقلاب الذي قاده الرُّوَّاد الأوائل لشعر التفعيلة نازك الملائكة وبدر شاكر السيَّاب وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم ـ فحَرَّكَا الماءَ الرَّاكدْ ورفداه بروافد جديدة.

هناك أوجه شَبَهٍ كثيرة بين العالَميْن؛ عالم محمد عفيفي مطر ـ في إرهاصاته البكر الأولى ـ وعالم آمال عوّاد رضوان في تجلّياته المعاصرة، ربما كان أبرز القواسم المشتركة بينهما هو عناية كل منهما بخَلْقِ العَالَمِ الشِّعْرِيِّ الخاص المشحون بطاقةٍ حَيَوِيَّةٍ هائلة كانشطار الذرَّة، المؤلَّف من جُذاذاتٍ من الصور المركبة والأخيلة الكثيفة واللغة التعبيرية في أقصى حالاتها إيحاءً ودلالة، والرَّمْزِ المُشعّ الذي يتوهّجُ داخل العمل الفنيّ فيُضْفي عليه بهاءً وسحْراً وألَقاً، دون أن يُفْصحَ عن مكنونه ويشي بأسراره.قصيدة النثر عند آمال عوّاد رضوان هي عصفورة النار التي تُشعل في دمنا الحرائق وتلامِسُ مِنَّا منابع الحِسّ وتَخْمِشُ بمنقارها نخاع الأعظم، حين تحملنا على جناحيْن من لهبٍ إلى أقصى وأبعد مراقي الخيال، وتنبشُ بمخالبها الدقيقة في صخور اللغة بحثاً عن كنوزٍ وجواهر لم يسبقها إليها أحد.

آمال عوّاد رضوان هي مهرة الشعر الأصيلة التي تنطلق بنا في قفزاتٍ جامحة تنخلعُ لها قلوبنا أحياناً، وتُحتبسُ أنفاسنا خوفاً ودهشة ورَهباً، لكننا نظلُّ طوال الرحلة ـ مأسورين بخَدَرِ المغامرة ولذَّةِ الكَشْفِ، مأخوذين بسحْر المجهول الذي نرتاده، مبهورين برؤاه ومشاهده وكائناته الغريبة، مَسْلوبي الإرادة كصوفيّ أخذته سكرة الوجد وشفَّ وجدانه عن عالمٍ مليء بالرموز والإشارات والإيماءات الخاطفة مِثْلَ سماءٍ مُرَصَّعةٍ بالنجوم مُضَبَّبَةٍ بنُدفٍ من غيوم شفيفة.

لذا يَجيءُ شِعْرُها كشفاً جديداً مُتفرداً في جِدّتِهِ صادقاً في أصَالته، مُرَاوغاً في مُرَاودته للعقل والوجدان، يفِرُّ من فخاخنا كما تُفلتُ الغُزلانُ في خِفّة ورشاقة من قبضة الأسْر ، لكنه يُخلِّفُ في نفوسنا أثره العَميق وأسئلته المُعَلَّقة، فنعاود الرّكْضَ والطّرادَ دون كَلَلْ.الفنََّ الأصيل كائنٌ حَيٌّ لا يَمْنَحُ نفسه بسهولة. وشعر آمال عوّاد رضوان كائن له ذاكرة وتاريخ، تشعرُ معه بالإمتاع والمؤانسة، لكنك لا تظفرُ بخباياه وأسراره قبل أن تعايشه وتنعقدُ بينكما أواصِرُ الألفة، ومع ذلك يبقى مُتأبيّاً على الاسْتيعابْ، مُسْتَعْصِياً على الترويض، لأنه قِطعةٌ مُقْتَطعَة من الحياة بكل تَدَفُّقها وعنفوانها وغموضها وسِحْرها الجميل. تأمَّلْ معي هذه الدفقة الشعورية التي تصبُّ فيها شَوْقَ حبيبةٍ لمحبوبها ونزوعَها التّوّاقَ إلى اللِّقاء قصيدة "غيرة حبيبي" :

مِن خَلْفِ عتمَةِ اٌلحُلـُمِ اٌلمَحظورتعودُ
مُطِلاًّ بِرِقِّ أقمارِك
تراقصُ وَجيبِيَ كلَّ مساء
ها أنت حبيبي تؤوبُ
لباحاتِ عَينـَيّ
تنسَكِبُ هالاتٍ مِن شلاّلاتِ ضياء
تُنيرُ مُحيطَ حُروفي
تجوبُني مُذنّباتُ الذِّكْرياتِ
وَتهيمُ بمَساراتِ أوراقي البيضاءْ
في مداراتِ القلبِ المُعَنّى بالشّوقِ
تتحالقُ ارتِعاشاتُ الكلماتِ
وبِمَدادِ الأحلامِ
تتناسلُ أجِنّـَةُ الآمالِ
تَتراقصُ شغَفًا
وترتقدُ بأرْحامِ اللِّقاءْ

تأمَّلْ معي في اختياراتها لبعضِ مفرداتها: تتحالَقُ، تنسكبُ، ترتقد..إلخ. المحاليق هي تلك الزوائد الطرفية التي تمدُّها النباتات المتسلقة لتلتفَّ حول الدعامات التي تتكئ عليها كي تتمكن من متابعة النموّ والتسلُّق .. ألمْ يكن بوسْع الشاعرة أن تستبدلَ هذه اللفظة بمُفردةٍ أخرى تؤدي نفس المعنى مثل: تتعانق.. تلتفّّ..؟! كان بمقدورها بالطبع، إن كان جلُّ عنايتها توصيل المعنى للقارئ فقط، لكن شاعرتنا تطمحُ إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، إنها تسعى إلى توليد الصورة التي هي أبلغُ وأقدرُ على التعبير من ألف كلمة، واستحضار هذه الصورة في مخايلنا بكلِّ ما تنطوي عليه من إيحاءات ودلالات. فأنت حين تقول إن جمعاً من الناس كان يُحيطُ بأحد الأشخاص، غير أن تقول إن هذا الجَمْعَ كان يتحلّقُ فلاناً أو بفلان. في قولك الأخير صيغة تشديد توحي بأنّ إحاطتهم به كانت أشبه بالحصار المفروض من حوله، فيها تصميمٌ وحميميَّةٌ وتشبُّثٌ أكثر. الصورة الدالَّة الموحية هي ـ إذن ـ وحدة المعمار والبناء في هذا الشعر وليسَ التقرير والمباشرة. فالشاعرة لا تريدُ أن تُصادرَ على خيالنا بمقولاتٍ ونتائجَ جاهزةٍ ومُعَدَّةٍ سلفاً للاستهلاك، بل هي تتوارى خلف صورها وتتركنا نحن لنتأمَّل المشهد بكل حواسّنا ونُعيدُ خلقه من ذواتنا ورؤانا وخلفياتنا من الخبرة والثقافة والتذوّق.

ما الفرق بين شاعرة كهذه تلتزمُ الحيادَ ظاهريّاً وتتركُ للمتلقي حُريّة التصور والتخيل والانفعال، وبين شاعرٍ آخر يُحيطنا عِلْماً بآخر ما توصّلَ إليه من خلالِ رِتْلٍ من العبارات التقريرية التي لا تقوم بأكثر من توصيل المعنى والرؤية إلى القارئ..؟!

الفرق جوهريٌّ وواضحٌ للعيان. ففي شعر آمال عوّاد رضوان يتحوّلُ القارئ من مجرّدِ متلقٍّ سلبيٍّ ومُستهلكٍ فقط للعمل الفنيّ إلى مُشاركٍ إيجابيٍّ وفَعّال في التجربة وفي صياغة هذا العمل الذي يتحوّلُ من خلال كل قراءةٍ إلى كَمٍّ لا نهائيٍّ من الأعمال بعدد قرّائه وعدد قراءاتهم له. من هنا يكتسبُ العمل الفنيّ قدرة أكبر على التعبير والتأثير في نفس القارئ وتوصيل الرسالة إليه.
لكن الشاعرة آمال لا تقنعُ بذلك ولا تكتفي. فإذا كانت قد تخيَّرتْ الصورة الشعرية لتكون وحدة بناءٍ لقصيدتها، فالسؤال الذي نطرحه الآن على أنفسنا هو: أية صورة تقدمها لنا الشاعرة في شعرها..؟!تأمّلْ معي ذلك السّيْل المنهمر من الصور وما تحمله من استعاراتٍ وكناياتٍ تثري بلاغتها ـ مع غيابٍ كاملٍ للتشبيه لأنه أقلّ الأساليب البلاغية تأثيراً : عتمة الحُلم، رقِّ الأقمار، باحات العينين، شلالات الضياء، مُحيط الحروف، مُذنبات الذكريات، مدارات القلب، ارتعاشات الكلمات، مداد الأحلام، أجنّة الآمال، أرحامُ اللقاءْ. لاحظ المقابلة بين كُلٍّ من عتمة الحلم و مداد الأحلام وبين شلالات الضياء، لاحظْ أيضاً صلة النسب والقرابة بين كلٍّ من: الارتعاشات، الأجنة، الأرحام. ثم أنظرْ كيفَ أنَّ الشاعرة لا تكتفي بهذه الدلالات الذهنية فتشكل منها الصور الأكثر بلاغةً وتأثيراً: فهي عتمة الحلمِ المحظور، ورقُّ الأقمار التي تُطلُّ وتراقصُ وجيب قلبها المُعَنّى بالشوق، وارتعاشات الكلمات التي تتحالقُ بمدارات القلب، وأجنة الآمال التي تتناسلُ بمداد الحلمِ وتتراقصُ شغفاً بأرحام اللقاء. مستويات متعدِّد من التشكيل الصُّوَريّ تُكوّن جزئيات المشهد. والصور هنا تعبيرية في غير تجريد، تركيبية في غير تعقيد، لأننا نُعايشُ بأنفسنا تكاثفها مع بعضها البعض واستواءها خلْقاً جديداً.تأمَّلْ معي الآن هذا المقطع القصير ـ الذي يخطفُ البصر مثل ومضة برْقٍ ويُلْهبُ الحِسَّ مثل قصفة رعْد ـ من نفس القصيدة

ما لونُ عينيْكَ الآنْ ؟
أتُراهَا بلَوْنِ النُّعَاسِ والاخْتِمارْ؟
أم تراها بلونِ الحزنِ والبهارْ؟

نحن هنا أمام شاعرةٍ تكتب الشعرَ بمخَيّلة شاعرْ وريشة رسّامٍ وإزميل نَحّات أو مَثّالْ. لاحظ ذلك الارتباط الحسّي بين النعاس والاختمار، فاختمار العجين أو الطمي هو تحوّلٌ إلى الطراوة واللدانة وانبعاث الغازات فيما يشبه خدر النعاس والتثاؤب، وبين الحُزن والبهار فللحزن في القلب وخز موجع وألم ممض وظلٌّ قاتمٌ مُقبض، وللبهار لونٌ غامق وطعمٌ لاذعٌ حَرّيفْ . صلة قرابةٍ لا يمكن إدراكها إلاَّ بالحَدْسِ والملامسة الحسّيّة لأنها تقع خارجَ نطاق العقل الواعي . ثم لاحظ مستويات تشكيل الصورة من التركيب بالاستعارة والكناية إلى التكثيف ثم التجسيد ثم استواء الخلق وانبثاق المعنى والدلالة. فعلى مستوى أبسط من مستويات البلاغة يكون للعينين لون النعاس أو الاختمار وتظل الصورة بليغة مع ذلك، لكن الشاعرة لا تقصدُ الإبهارَ أو البهرجة وإنما تطمحُ إلى خلق العالم الشعْريّ المتكامل بذاته، الممتلئ بالمعنى والإيحاء والدلالة. فهي تزاوج بين لون النعاس والاختمار معاً، ثم بين لون الحُزنِ والبهار معاً، ثم تضفرُ من كل هذا جديلة واحدة تتماوجُ فيها كل درجاتِ هذه الألوان وتتضافرُ تأثيراتها الحِسّيّة في آن واحد، فتفعل فعلها في مخايلنا ومداركنا.الصورة هي وحدة بناء القصيدة ومن مجموعة الصور يتألف المشهد ومن تجاور المشاهد وتشابكها مع بعضها البعض يتشكل العالم الشعريّ وتولد القصيدة. لقد تأمّلْنا بعض الوقت في الصورة، فدَعونا الآن نُنْعم النظر قليلاً في هذا المقطع ـ المشهد من قصيدة

" أنفض الغبارَ عن متحفِ فمِك"

دَعْني أتربَّعُ على عُروشِ الغَمامِ
عَبَثًا لَو حَاوَلْتَ اسْتِمْطَاري
حتَّى وإنْ رَمَتْني أَصابِعُ ريَاحِكَ
بِبرُوقِ ظَمَئِك

كلُّ مقطعٍ بالقصيدة يُشَكّلُ مشهداً قائماً بذاته ـ أشبه بـ "الإبيجراما" Epigram مع فارقٍ واحدٍ هو أنه لا يَحْمِلُ في ثناياه أية موعظة أو حكمة أو قول مأثور مثْل "الإبيجراما" فالشاعرة لا تقصدُ شيئاً من هذا، غاية ما تدْعونا إليه هو أن نشاطرها ما تجود به مُخَيّلتها من تصاوير وأخيلة حِسِّيَّة تتدَفَّقُ على وَعْيها كانهمارِ المطرِ وفيضانِ النّهْر، لكنها لا تُقَدِّمها إلينا في مادَّتها الخامْ، بل تُعيدُ صياغتها وتشذيبها وصَقْلها وتهذيبها لتصلَ إليْنا رائقةً مُصَفّاة لا تُبْهِرُنا وتثيرُ دَهْشتنا فَحَسْب، بل تتسَلّلُ إلى أحاسيسنا ببطءٍ وأناة لتُحْدثَ أثرها فينا. ولكن أيَّ أثر..؟!

الغريب حقّاً أنه رغمَ ذلكَ الخدر الناعم اللذيذ الذي يسري في حواسّنا، والنشوة الطاغية التي تسْتَحْوذُ علينا وتتملّكنا، ونحن نتلقّى هذه المُسْتويات المتعددة من التشكيل الصُّوَري ـ فإننا لا نَفْقِدُ وَعْيَنا بُرْهَةً واحدة بل نَظلُّ طيلة الوقت تحت ضَوْءٍ ساطِعٍ يُضيءُ بَصيرتنا ويَدُلُّنا على مسارب التجربة ومداخلها ويُفَسِّرُ لنا رموزها ومعطياتها، فالشاعرة تُخاطِبُ فينا العَقْلَ والحِسَّ معاً، وتُحَفّزَ منّا الفكر والوجدان في آنٍ واحد، وفي توازن دقيق يُثْري هذه التجربة ويعطيها طعمها المميّز ونكهتها الفريدة. تأمّلْ معي هذه المفردات: غمام، استمطار، رياح، بروق، ظمأ، ولاحظ التجانس الاشتقاقي بينها، ثمَّ لاحظ الترابط العضوي بيْن جزئيات المشهد بما يَجْعله وحدة صوريّة مُتميّزة ومُتجانسة ومُسْتقلة، دون أن تنفصلَ أو تخرجَ عن السياقِ العام أو تفقد صلتها بغيرها من مقاطعِ أو مشاهد
القصيدة.
أجِيئُكَ
أُخبِّئُ لكَ تَحْتَ جَناحَيَّ
غِلالَ حُبِّي
فَهَيِّءْ .. سيِّدي
أجنحةَ عِنَاقِنا
أثِرْ أرياشَها
بنَسائِمي
لِيأخذَنا هفيفُها إلَى دُوارٍ لَذِيذ

أتْرُكُ لكَ الآن هذا المقطع – المشهد من قصيدة "عصفورة النار" لتتأمّله وحدك ـ أيها القارئ الكريم ـ وتتذَوّقَ رحيقه ببطء، أما أنا فقد أخذتُ كفايتي من هذا الفنّ الجميل وقلتُ ما عندي، ولم يَتَبَقَّ لي سوى أن أختتم هذه الإطلالة النقديّة بكلمة موجزة عن قصيدة النّثر. فأنا لم أكن يوماً من المتشيِّعين أو المُنَظِّرين أو حتى من المتحمسين كثيراً لما يُسَمَّى بقصيدة النثر. ربّما لأننا من جيلٍ تشكّلَ ذوْقُه الفَنّيّ في ظلّ خلفيّةٍ ثقافيّةٍ خاصّة وظروفٍ مُغايرة. ورُبّما لذلك التناقض الظاهريّ في صياغة المُصْطَلح ـ قصيدة النثر ـ الذي يُزاوِجُ بين قُطْبَيْن ـ الشِّعْر والنّثر ـ لكلّ منهما سماته وخصائصه المُمَيّزة ووظيفته في فنون القول. وربّما لأن التّحَرُّرَ من الوزن والقافية أغرى البَعْضَ من ضِعَافِ الموهبة والثقافة لكيْ يُدْلوا بِدَلْوِهم في هذه التجربة، فقدّموا لنا نماذجَ شائهةً تُشْبه ـ في أفضلِ حالاتها ـ تَرْجَمةً رديئة لشِعْرٍ مكتوبٍ بلغَةٍ أخرى. وثمّة أسباب أخرى كثيرة لا يَتّسِعُ المقامُ لِذِكْرها ـ باعدتْ بيني وبين هذا اللّوْن من الكتابة وعمّقت الجفوةَ والقطيعةَ معها. غيْرَ أنّ الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي أن قصيدة النثر وصلتْ على أيدي رُوّادها في الغَرْب ومن سارَ على دَرْبهم ـ بودلير ورامبو وهنري ميشو وأندريه بريتون وبول إيلوار وغيْرهم ـ إلى مستوياتٍ عاليةٍ من الجودة والرّقِيّ، كما أن بعض كبار شعرائنا ومُحْدثيهم على السواء ـ قدموا لنا نماذجَ مُبْهرةٍ حَقّاً أسهمتْ في تأصيل هذه التجربة وَتَرْسيخها كحقيقةٍ واقعةٍ في حياتنا الأدبية. الأمر الذي يَفْرضُ علينا ضرورة التوقف أمام هذه الظاهرة بالرّصْد والتحليل ومحاولة الفهم والكشف عن مواطن الجمال فيها وتَدْريب الحِسّ على تذوّقها. هذا واجِبٌ تفرضه أخلاقيّات النّقْد ومُتطلّباته، فالإنكار أو التجاهل أو الوقوف موقف العداءِ دون فهْمٍ أو تَبَصُّرْ لن يوقفَ تيّارَ الحَداثةِ والتطوّر إن كان يحْمل في داخله بُذورَ ومُقَوِّمات وجوده وبقائه. غير أن السؤال الجدير بالطَّرْحِ في الختامِ هو: هل وصَلَتْ هذه التجربة إلى مُسْتوى من النُّضْجِ يجعلُ من قصيدة النّثْرِ جِنْساً أدَبِيّاً مُسْتقِلاًّ بذاته، أم أنها ما تَزالُ تُراوحُ موضعها كَضَرْبٍ من ضروبِ النّثْر الفَنّي الذي عرفه أدبنا العرَبي ووصل في كتابات رُوّاده إلى قِطَعٍ مُقتطعة من حدائقِ الإبداعْ..؟!.هذا هو التّحَدّي الحقيقي الذي تواجهه قصيدة النثر اليوم، والذي أعتقدُ أن الزّمنَ وحده هو الكفيلُ بِحَسْمه.

الخميس، يونيو 22، 2006

بَسمَةٌ لَوزِيَّـةٌ تَتَوَهَّجُ


" بَسمَةٌ لَوزِيَّـةٌ تَتَوَهَّجُ "
عَلَى
شِفَِاهِ الشِّعر
مُحَمَّد حِلمِي الرِّيشَـة

لِمَ فِي اشْتِعَالِ الشِّعرِ، دَائِمَاً، دَاخِلَ كَينُونَةِ الشَّاعِرِ، رُغمَ فُجأَتِهِ الَّتِي تُقَلِّبُ جِمَارَ حَوَاسِّهِ السَّاكِنَةِ كَزَلزَلَةٍ تَنهَضُ مِن نَومِهَا، يَسعَى الشَّاعِرُ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِن مَرَّاتِ ثُبُوتِ قِيَامَتِهَا، إِلَى تَروِيضِ فِكرَتهِ العَالِيَةِ؟ تِلكَ الفِكرَةِ الَّتِي تَعنِي اِتِّبَاعَ سِحْرِ نَدَّاهَةٍ بِافْتِرَاضِ مُثُولِ آثَارِهَا عَلَى مَسَاراتٍ سَرَابِيِّةٍ، والَّتِي لاَ تَكفُّ تَتَلَبَّسَهُ مُنْذُ وَعْيهِ بِالشِّعرِ أَنَّهُ مُحَاوَلَةُ نَجَاةٍ مُفتَرَضَةٍ، رُغمَ إِدرَاكِهِ لاَحِقَاً بِعَبَثِيَّتِهَا، إِذ يَتَوَسَّعُ طَوقُهَا، كُلَّ تَجرُبَةٍ، كَأَنَّهُا تَكَرَّرُ المَاءِِ نَفْسِهِ، لكن لا مَوجَةٌ تُشْبِهُ مَوجَةً (بِالتَّعبِيرِ الرَّائِعِ لِلشَّاعِرَةِ مَارِينَا تِسفِيتَايِيفَا)، وَإدرَاكِهِ المُعَذِّبِ والمُعَذَّبِ، أَيضَاً، أَنَّهُ (الشِّعرُ) مَالِكُ حُضُورِهِ حِيْنَاً، وَمَانِعَهُ كَمَا يَشَاء.
رُبَّمَا .. لأَنَّهَا (الفِكرَةُ) تُشِيرُ بُوصَلَتُهَا إِلَى الغِيَابِ، أَو قُلْ : هِيَ الغِيَابُ نَفْسُهُ، إِنْ لَمْ تََكُنْ تَعنِي الفَقْدَ، أَو هِيَ الفَقْدُ بِتَمَاهِيهِ فِي ذَاتِهِ حِينَاً, وفي ذَاتِ الشَّاعِرِ حِينَاً آخَر .. لكِنْ، وَهذَا مِن بَوَاعِثِ المُثَابَرَةِ الشَّاعِرِيَّةِ المَجنُونَةِ، ثَمَّةَ مَا يُقَلِّدُ الفَرَحَ فِي الذَّاتِ وَلِلذَّاتِ الشَّاعِرَةِ لَذَّةً دُونَ إِطَارِهَا الزَّمَنِيِّ؛ تِلكَ الذَّاتُ الَّتِي تَحتَضِنُ آخَرَهَا دَاخِلَهَا بِكُلِّ مَيَلاَنٍ أَوِ انْطِلاَقٍ، كَمَا تَشرَئِبُّ شَجَرَةٌ مُوَارَاةٌ مُتَّجِهَةً بِأَغصَانِهَا نَحوَ لَسعَاتِ الشَّمسِ تَغتَنِمُهَا ضَوءً وَحَرَارَةً.
هَل كَانَ هذَا هُوَ البُدُّ الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ ؟
أُحِسَّهُ : نَعَمٌ .. إِذ أَحسَسْتُ، وَأَنَا أَقرَأً شِعرَ الشَّاعِرَةِ القَادِمَةِ آمَال رَضوَان، أَنَّهَا تَدعُو القَارِئَ / قَارِئَهَا إِلَى أَنْ يَقْلِبَ وَضْعَ عَيْنَيْهِ عَكْسَاً؛ إِلَى الدَّاخِلِ، لِيَرَى، بِحِسِّ نَظَرِهِ أَوَّلاً، كَينُونَةَ بَوَاطِنَهِ المُغَيَّبَةِ بِفِعْلِ وَاقِعٍ يَضِجُّ شَرَاهَةً وَيَجنَحُ افْتِرَاسَاً، مُغَيِّبَاً حَرَاكاً جَمَالِيَّاً كَانَ يُسدِلُ ظِلاَلَهُ النَّدِيَّةِ عَلَى جَفَافِ الحَيَاةِ وَعَطَشِهَا العُضَال.
إِذَا .. هُنَا؛ فِي هذِهِ المَجمُوعَةِ الشِّعرِيَّةِ، تَحَوُّلٌ نَحوَ الدَّاخِلِ الإِنسَانِيِّ؛ نَحوَ البَاطِنِ المُشتَعِلَةِ مَشَاعِرِهِ وَهَواجِسِهِ وَقَلَقِهِ وَعِشقِهِ وَاشتِيَاقَاتِهِ وَارتِبَاكَاتِهِ، وَتَأَبُّطِ أَسئِلَتِهِ الوُجُودِيَّةِ مُنذُ أَزَلِيَّتِهِ وَآنِهِ وأَبَدِيَّتِهِ المَجهُولَة.
نَدخُلُ حَدَائِقَ الشَّاعِرَةِ بِدَعوَةِ غِوَايَةِ تَوَهُّجِ بَسمَتِهَا اللَّوزِيَّة.. تَتَفَتَّحُ حَوَاسُّنَا المُجمَرَةُ / المَطوِيَّةُ عَلَى ذَوَاتِهَا، بِكُلِّ تَأَلُّقٍ، عَلَى مُبتَدَاهَا وَمُشتَهَاهَا .. إِنَّهَا تَحفِرُ بَعِيدَاً حِينَاً في كينونتنا حَدَّ الألم:
" نُعايِنُ ظِلالَ اللهِ تَكسُو بِحَارَ الحَواسِّ؛
تُربِكُنَا أَمواجُ الرَّهبةِ .. فَنَتقوَّس
وبِتثَاقُلٍ مُهتَرئٍ
بَينَ تَعاريجِ الحُزنِ وشَظايَا الفَرحِ
نَتَّكِئُ علَى مَسَاندِ الصَّمتِ
نَنْكأُ جُروحَاً تَغفُو / لِنَنْشُرَ سَوادَ الأَلَمِ حَلِيباً
يَتعَشَّقهُ مِدَادُ الحَنِين "
وَحِيِنًا تَشدُّ كُلِّيتَنا نَحوَ فَضَاءَاتِِهَا بِبَرِيقِ بِلَّورِ قَطْرِهَا المُنسَكِبِ نَجَاةً مِن ذَاكَ الأَلَم:
"دَعْني .. /
- حَبِيبَ الرُّوح -
أَغْسِلُ سَفرَ وجهِكَ
بأَطْهَرِ دُموعِ رهامي
وأَنفُضُ الغُبارَ عَن مَتْحَفِ فَمِك
أَجعلُكَ آنِيةً شَفِيفَةً
نَتمَاوَجُ في صَفائِهَا".
بِسِحْرِ هذِهِ الكَلِمَاتِ، وَمَثِيلاَتِهَا مِن / فِي مُعجَمِهَا البَاطِنِيِّ، تَتَوَرَّدُ الحَيَاةُ حَتَّى فِي خَرِيفِهَا.. إِنَّهَا صَرَخًَاتُ تَمَرُّدِ القَلبِ مُدرِكَاً غِيَابَاً لاَ بُدَّ مِن حُضُورِهِ، وَفَقدَاً لاَ بُدَّ مِن انْوِجَادِه.
حَقَّاً .. إِنَّ الشِّعرَ، فِي حَدَائِقِ الشَّاعِرَةِ هُنَا، نَاقُوسُ الرُّوحِ مُنَادِيَاً، بِإِيْمَانٍ، أَنَّ القَلبَ حَدِيقَةُ الحَيَاةِ تَستَحِقُّ عُشَّاقَهَا، وَأَنَّهُ، بِمَعنَىً جَدِيْدٍ / جَمِيلٍ مِن مَعَانِيهِ كَمَا رَسَمَتهُ الشَّاعِرَةً، بَسمَةٌ لَوزِيَّةٌ تَتَوهَّجُ عَلَى شِفَاهِهِ !

إهداء

إِلَيْكَ ..
حَيْثُ أَنْتَ ؛
فيَّ أَبَدَاً ..

كَيْ لا تَتَـهـاوىَ


كَيْ لا تَتَـهـاوىَ

فِي سُكونِ اللَّيْلِ
تَطْفَحُ قَناديلي
بِزَيْتِ نُورِكَ المُقَدَّسِ
لأَجْعَلَكَ عَلى قَيْدِ الحُبِّ
*
سَامِحْني ؛
إنْ لَمْ تَتَّسِعْ حُقولُ صَدْرِكَ
لاِخْضِرارِ حَرْفي الشِّقِيِّ ..
إنْ لَمْ تَكتحِلْ مَرافئُ عَيْنَيكَ
بِزُرقةِ شِعريَ المُتَمَاوِجَة ..
*
أَيُطْفِئُ الشَّوْقُ نَارَنا ذاتَ قُبْلَة ؟
يَنفخُ لِقَاءً في رَمادِ انْتِظَارِنَا ؟
*
أَخْشَى ؛
أنْ تَتَمازَجَ دِمَاؤُنا ذَاتَ شَفَقٍ
أنْ تَتمَاوَجَ رَعَشاتُنَا
عَلى شَواطِئِ الشِّفاهِ فََيَنْبَلِجُ الحَرِيق ..
أتَكْتَفي الأحْلامُ بِتَلْوينِ الكلمَاتِ،
أم تَغْدو الكَلِماتُ حَطَبَ عِشْقٍ
تَتَآكَلَهُ نِيرَانُ العَبَثِ ؟
*
مَا كانَتْ ذُرْوَةُ اللِّقاءِ
إلاّ في قَرَابينِهِ الْمُحْتَرِقَة
فَلْيَسرِ بَرقُ العيُونِ أَقْمَاراً
تُضِيءُ صَحَارَى الأرْواحِ
كَيْ لا تَتَهاوَى
أَمامَ رُؤىً لا مَحْدودَة
في آفَاقِ الأجْسَادِ !

شَوقِي إلَيْـكَ يُشعِلُني


شَوقِي إلَيْـكَ يُشعِلُني

ها أنذا آتيكم .. بِجدائل من كلمات ناعمة .. في سلاسل من حروف ناعسة ..
كلمات أجدلها وتُجدلني .. كلمات لها أثر العطر بالروحِ
.. تسكبنُي .. توجعُني .. تُطهِّرُني .. وأذرفُني
نرديناً رقراقاً .. في مَدامع ِمعابدِ البَوح ..

سَارعتُ إليه أُسابقُ خطواتي
أَحمِلُ قلبي على ريشةِ قلمي
ظَهري تَحنيهِ أكداسٌ من الشّوقِ
عَلى كفَّي ساحَ دهنُ قلبي
ظَننتُني أحملُ كلماتٍ يُفتّقُها شِعري
ألقيتُ بثَوبِي عَليهِ
قلتُ : إليكَ بهِ
يا لَبهائي حين تُرتِّقُ بِحروفِكَ أثوابي ..
اختزَلَني أثيرُ صوتِهِ ... صَفَعَني
ويْحَكِ ..
أوَ تُلقينَ عليَّ بِمصفوفاتٍ مَعدنيَّة !
*
آهٍ لِحُبَيْبات قَلبِي
كحبَّاتِ البُنِّ
تُحمِّصُها ... تَحرقُها
في حَميصِ القَسوةِ
والشّوق إليكَ
الشّوقُ إليْكَ يُشعِلُني
*
كَم بُحْتَ لي بِسِرِّكَ الْمَبْحوح
كَم قُلْتَ واشِياً حَرْفَكَ الْمَجْروح
أنْتِ الْبَحْرُ وَالْغَيْمُ وَالْمَطَرُ
أنْتِ النَّسيمُ وَالرّيحُ وَالْعِطرُ
واليوم ...
لِمَ تَتَمادى بِبَرِّيَّتِكَ
لِمَ تَجْتاحُني بِجَفافِكَ وبِقَسْوَتِك ؟
*
آهٍ ...
آهٍ مِنْ هَزيمِ عِشْقِكَ يُزَلْزِلُ أكْواني
يَشُقُّّ حِجابَ أرْضي وَسَماواتي
حُبُّكَ الْعازِفُ عَلى أوْتارِ صَمْتي
النَّازفُ شَوْقاً في تَرانيمِ حَرفي
باتَ يَنْضَحُ عِطْراً كاوياً
مِنْ مَسامَاتِ كَلمَاتي
*
هيَ كوماتُ جَليدٍ تتكدّسُ
تُغَلِّفُ حُجيرات ذهنِك
وهو حَطبُ قلبكَ تُذكيهِ ومضةٌ
من اشتعالاتِ حرفي
هي وخزاتٌ مِن قطراتٍ دافئةٍ
تُبلِّلُ جسدَ السّؤال
ومِن سباتِها .. تتيقّظُ الذاكرة
حِينَها .. يَذوبُ جَليدُ شوقِكَ
يتوالدُ حِسّاً حارّاً
يَتفجَّرُ براكينَ لَهفاتٍ
يَتدفَّقُ يَنابيعَ كَلِمَات
*
أُسْكُبْني في فِنْجانِكَ
وارْتَشِفْني إنْ كُنْتَ تَسْعَد
هَلِّلْني بِسَعادتِكَ
أطْرِبْني بِلَذائِذِكَ
يا أيُّها المَسْكونُ بي وبِفُتوني
يا أيُّها العالَمُ الدَّفينُ بِمَكنوني
ويا أيُّها القارئُ الأصَمُّ لِشُجوني :
أريدُكَ حَيَّاً
أقِمْ صَلاةَ عِشقِكَ في مَعابِدِ غُصوني
عَلِّقْ تَمائِمَكَ عَلى أهْدابِ عُيوني
*
أيَطالُني لِسَانُكَ في بَوْحِهِ؟
عَمِّدْني ..
دَثِّرْني بِهِ ..
ألبِسْني أثوابَ الحورِيَّات
*
شَقيَّةٌ خَفَقاتي مِن غَيْرِكَ
وبَهِيَّةٌ عَرائِشي بِعِشْقِكَ
وإنّي لأَبقى أُردِّدُ :
أشْتاقُ أشْتَمُّ عَبيرَ بَوْحِك
*
أعودُ ؟!
كيف أعود
وأنا أبداً
ما خَضَعْتُ لِطُقوسِ العُشّاقِ ؟
كيفَ أعودُ
وأنا ذاتُ الطّقْسِ الاسْتِوائيّ
أتَجَمَّرُ ..
أتَحَفّزُ ..
أتَقَمَّرُ ..
وأُمْطِرُ ؟!
*
طَقسِي ؛
لا تَعْرفُهُ الطّقوسُ ولا النّفوسُ
مَا من أحدٍ يعرفُني
إلاَّيَ وروحُ الشَّوق
*
أنظرِ السَّماءَ في ليلِها الحالكِ
هنااااااااك ... تَتمَازجُنا
هناكَ على خطوطِ الشّوقِ
تتبرهجُ في سَوادِها البهيِّ
نُجومٌ تتراقصُ وتَسطعُ
هيَ وحدَها
وحْدَها تُشَكِّلُني النُّجومُ بِنِثَارِ حُبِّك
حينَ تَسْتَمْطِرُ غُيومَ سِحْرِك
حينَ تَهيمُ وَلَهاً مَسْكوناً
لا يَكِنُّ ولا يَهْدَأُ إلاَّ بِشوْقِك
*
تُسِرُّكَ بألوانِ بَوحِها
تَسوحُ بِساديَّةٍ وتَبوحُ
*
أهيمُ بِرَجُلٍ قَلْبُهُ مُلْكي
وأنا القابِضَةُ عَلى أقفالِهِ
مَرْهونٌ بأسْري ..
يَلْتاعُ بِسِحْري ..
قََلَمُهُ يَنْبِضُ بِحِبْرِ حُروفي
قلبُهُ يتلوَّنُ بِخَمْرِ قُطوفي
*
ماذا أقولُ في حَبيبِ حَرفٍ لَم أنطقهُ بَعد
حَبيبٍ ينثرُ لَهفاتي حروفاً
يُلمْلمُ رَعشاتِ شَوقي
في جَدائلَ من كَلمات ؟
*
ماذا أقولُ فِيمَن ؛
يَصْهَرُني ...
يُذَوِّبُني ...
يُبَلْوِرُني ...
يَجْعَلُني ...
خاتَمَهُ الْمُرَصَّعَ السِّحْرِيّ ؟
*
ماذا أقولُ فِيمَن ؛
يَزْرَعُ شِِفاهيَ بِأغراسٍ مِن قُبَلِ رِضَىً ؟
حينَ يُوَشّي عيْنَيَّ
بِبَسْمَةٍ لَوْزِيَّةٍ تَتَوَهَّجُ حَياةً وَحَياء ؟
*
هو ذا القَلبُ خاشعٌ
راكعٌ في مِحرَابِ الاعترافِ
يتمتمُ في صمتِهِ الصَّاخبِِ
يا مَنْ تَرْجِمُني بِوابِلٍ مِن قُبُلات
لأجْمَلِ اقْتِراف
*
ما كُنْتُ أعْلَمُ
أنّكَ تَتوقُ لِلتَّبَخُّرِ والتَّشَظّي
أَخْشى القُبَلَ تُذيبُ دِهْنَ شَفَتَيْك
أتُهَدِّئُ بِشَذى العيون أهدابَ أنْفاسِك ؟
أتُرَطِّبُ بلَظى السُّكون نيرانَ أحْضانِك ؟
أتَبْعَثُ شُجوني الحياةَ في عَزفِ ناياتِك ؟
*
ألعلَّها غَابتْ ... لِتَعود ؟
إذاً ؛
شَرِّعْ ضفافَ حُروفِكَ لِحَرِّ كلماتٍ
تَسبِي رطوبةَ أضلعِك
ولوّنْ ظلالَ شرودِك بِبَصيصِ كلماتٍ
تطردُ غيلانَ وحشتِك
أفَكأنَّ حِسَّكَ يَستشعرُ مَلمسَ الجَواب ؟
أو .. لعلَّ الصَّدى أنباكَ بِسِرِّ الغِياب ؟

الاثنين، يونيو 19، 2006

أنفضُ الغبار عن متحفِ فمِك


أنفضُ الغُبارَ عَن مَتحفِ فَمِك



أَأقولُ : تَعالَ
لِتمْلأَ دِنانَ لَحَظاتِكَ بأَطيابِ عِشْقِي ؟
أم أقولُ : احذرْ أن تُحْرِقَ أصابعَ قلبِكَ
بأبْخرةِ شَوْقي ؟
*
أيا ساحرَ كلماتي :
دَعْني أَتراقصُ على إيقاعِ عشقِكَ المُتهافِت
دَعْني أشدوكَ صَلاةَ لَوْعَةٍ
تَعْبقُ حياةً بسحرِك
..
قُلْ لي : كيفَ أرسُمُ لَوحَاتي
عَلى خِبَاءِ صَدْرِكَ / صَدْرِ حَياتي
وأنا أَرى أقمارَكَ تُنافِرُ مَجَرَّاتي ؟
*
كيفَ أَرسُمُكَ وأرسُمُني
ومَداراتُ عِشْقِكَ
تَتَوَعَّدُ أصْداءَ صَمْتي
وتَغْزو مَداراتي هَباءً ؟
*
يا خِشْيَتي مِنْكَ وَعَليْكَ
إنْ تَلتحَمْ أكوانُ كَلَفِكَ
بِضُلوعِ جِنَاني
*
أأقولُ
:
لا تَدْنُ مِن مُروجي
فَما اخضِرارُ بَتْلاتي سِوى سَرابٍ
يَخلِبُ لِحَاظَ القِلوبَ
ويَفتنُ مَجسَّاتِ العُقول ؟
*
أأقولُ :
مَثَلي أنا مَثَلُ الأقْمارِ
تَتَألَّقُ نوراً وبَهاءً
وفي بَواطِنِها
خُواءُ مَحاراتِ ذَابِلَة ؟
*
أأقولُ :
ها هي يَنابيعُ قلبي
تَفيضُ حُبّاً جامِحاً
سَرعانَ ما تعْتريهِ نَوباتُ ذُهول ؟
*
أشُموسُ عُمْري ..
- يا عُمْري -
تَتَوَهَّجُ حَنيناً إليْكَ
ولَشَدِّ ما تَخشَى عليْكَ
أن يَغزُوَها أُفولُ الكَواكِب ؟
*
مَن مِثلُكَ يَقْرَؤني
حِينَ أَبوحُ
بأَعذب تَراتيلِ الصَّمْت ؟
*
دَعْني أتربَّعُ على عُروشِ الغَمامِ ..
عَبَثاً لَو حَاوَلْتَ اسْتِمْطَاري
حتَّى وإنْ رَمَتْني أَصَابُعُ ريَاحِكَ
بِبرُوقِ ظَمَئِك
*
بَرِّيَّةٌ أنَا
..
أَخْشَى عَليكَ مِن عَصْفي
مِن مُرِّ قَطْري
ومِن شَظايَا صَقِيعي
*
دَعْني ..
- حَبِيبَ الرُّوح -
أَغْسِلُ سَفرَ وجهِكَ
بأَطْهَرِ دُموعِ رهامي
وأَنفُضُ الغُبارَ عَن مَتْحَفِ فَمِك
أَجعلُكَ آنِيةً شَفِيفَةً
نَتمَاوَجُ في صَفائِهَا
آهٍ لأنْهارِ عِشْقي
كم تَزْخَرُ بِالشَّوْقِ الحارقِ إلَيْكَ
وَعَلى ضِفَافِ شَفَتَيَّ
تَنْحَسِرُ لَهَفاتي
*
سُيولِ يَديْكَ
تَصُبُّ في بُحَيْراتي صَبابَتَها
وتُغْرقُني بِطُوفَانِها
*
عَلى ضِفَافِ رُوحِكَ
تَنْمُو أَشْجارُ تَوهُّجي
تَثِجُني هَالاتُها البَريَّةُ
ولا تُزْهِرُ .. إِلاَّك
غُصُونُها زَاهِيَةٌ بِكَ
مُثْقَلَةٌ بِثمَارِكَ
لِكُلِّ عُودٍ عُصَارُهُ
وأَنتَ أشْهَى عُصَاري .

غيرةُ حبيبي

غَيْـرةُ حَبِـيـبِـي

على قارعةِ الانتظارِ جَلَستْ
تَتسوّلُ فتاتَ حُروفٍ مُبعثرات
تَتناثرُها أَعاصِير الهجْرِ
على مَرمى انْشِطارِ الحُدود
*
مِن خَلفِ عتمَةِ الحُلُمِ المحظور تعودُ ؛
مُطِلاًّ بِرِقِّ أقمارِكَ
تُراقِصُ وجيبَي كلَّ مَساء
*
ها أنتَ تؤوبُ
إلى باحاتِِ عينيّ
تنسَكِبُ هالاتٍ مِن شلاّلاتِ ضَياء
تُنيرُ مُحيطَ حُروفي
تَجوبُني مُذنّباتُ الذكرياتِ
وتَهيمُ بِمَساراتِ أوراقي البَيضَاء
*
في مَداراتِ القَلبِ المُعنَّى بالشّوقِ
تَتحالقُ ارتِعاشاتُ الكَلماتِ
وبِمَدادِ الأحلامِ
تَتناسلُ أجِنَّةُ الآمالِ
تَتراقصُ شغَفاً
وتَرتقدُ بأرْحامِ اللَّقاء
*
سَحاباتٌ ثَمِلةٌ
تَحُفُّ بِهِ
تظلّلُ شوقَهُ
*
حبيبتي ..
شهيّةٌ رائحةُ حضورِكِ
أشتمُّ صهيلَ لَهفاتِهِ
بِرمادِ قلبي تُذكينَ حُبّاً أخرسَ
على سفوحِ حرفكِ تتقافزُ أيائلُ مَشاعري
وباخضرارِ واحاتِكِ تُزقزقُ فِراخُ الحَنينِ
تُعمّدني أمواجُ الأحلامِ
ويَغمرُني طوفانُ العواطفِ
لكن ...
*
ما لونُ عَينيْكِ الآن ؟
أتُراها بلون النّعاسِ والاختمار؟
أم تُراها بلونِ الحزنِ والبهار؟
*
أما علّمتْكِ أشواكُ الوُردِِ
كيفَ تَخِزُ الأنفاس؟
كم تَشَّهيتُ الموتَ غرقاً بينَ شفتيْكِ
بَحرٌ أنا .. أرقُّ .. أثورُ
*
أتربّصُ بكِ بينَ أدغالِ الكلمات
على مَدى مسافاتِ الحروف
أقتنصُ تَمائمَكِ .. علّكِ تحرسينني
أو تَقْ ....
*
أنت .. لن تكفّي عن سَكبي بقوالبِ الحُروف
أنتِ .. لن تتوانَيْ عن اغترافي بِسحرِ الكَلِمات
وأنا .. لن أكفّ عن بُكائي الشّهيِّ
دَعِيني ...
دَعِي المجاديفَ تأخذُني بعيداً عنكِ
دَعِيني أتبدَّد في ....
*
ربَّاه ..
كيفَ يَغدو الألمُ في .. طَواحينِ الوقتِ ؟
كيفَ يَغدو الوقتُ في .. أعاصيرِ الحُبِّ ؟
ألعلِّي أغدو شوْكاً يتكلّلُ بالوَردِ
ويتشرّبُ عِطري ؟
*
أتُراني تُشكِّلُني الأقدارُ دَمعاً خانقاً ؟
تَنْـزِفُني الأوجاعُ أنيناً صَامتاً ؟
وتُسدلُ على بُؤسِي سَتائرَ الأَعذار ؟
*
في مَتحفِ المُنى تتسربلُ العُيونُ حَسْرةً
زهراتُ فُلٍّ تَترقرقُ
على
ضِفافِ المُقل
تَنمُو .. تَتعرّى
تَسقطُ
زَهرةً
إثرَ
زَهرة :
أُ حُ بُّ ك !
*
قَطراتُ شُوكِكَ عادتْ
تَشتعلُ ..
تَنسكبُ
على
وجْنتَيّ الحَقيقة
تُجدّفُ ألسنةُ غيرتِكَ / تُسهبُ في الالتهابِ ..
تَندلعُ نيرانُ ظنونِكَ بأهرام حبّي ..
تَلتهِمُني / تَتآكلُني
و.. تَتلذّذُ أَنت
*
تَستعِرُ شَهوتُكَ بِاحتِراقي ..
تَتعطّرُ برائحةِ اشتعالِي
تَشربُ ظنونَ خَمرتِك
تَسْكرُ بأجيجِ عَذابي
وَ .. تَ تَ بَ دَّ د
*
... لِتعذرْني
لستُ أقوى على اقترافِ ََتبَدُّدِك
*
اِرحلْ ودَعْكَ مِنّي ؛
أنا في هذا القَحطِ إلى .. يَباب
جَداولُ مَوسِمِي جفّتْ ..
تناهبَتها قوافلُ السّراب
*
اِرْحَلْ ..
ابترْ أعناقَنا
ولْتَنـزِفْ دِماؤنا وقودَ سراجِ الذّكريات
*
أيا ظِلّيَ الحَميم
بَهوُ قَلبي تَكتنفُهُ عتمةُ الانكسِار
أبداً ..
ما كانتْ عينايَ عاريَتيْن منك
أو من ملامحِ وداعتِك
كاُلآن وكاللّحظة
أنا
مَن كانتْ كلماتي عطرَ سِحْرِك
ما أشقاني
يَشطُرُني حسامُ تَبعثُرِك !
*
أأثْمرَتُكَ نُدوباً على جَبينِ عفوِك !
تتناوشُني أنيابُ اُلحزنِ ..
تنهشُني ..
وتتهلّلُ دماؤُك
*
أتَحتَفي أعراسُ اُنبعاثِكِ باضمحلالي ؟
كيف ..
كيفَ وأنا مَن كُنْتُكَ .. وَجُلُّ كلِّي فِيك ؟
أنّى لي أبترُني مِن إدمانِكَ
وأُعلنُ عن كُلِّكَ فِطامي ؟
*
آهٍ مِن عواصفِ خيالِك
تَهُبُّ صافِرةً .. تُلاطِمُ قِنديلَ فَرحِي
تَسكُبُ آخِرَ قطرةِ زيتٍ
بِمعبدِ قلبي .. وتَحرقني
أأُطفِئُني ؟ أأُرمِدُني ؟
*
يا مَن غَسلْتَ نَوافذَ سَراحي بأوحالِ الشّكِّ
آهٍ ما آلَمَها صفعةُ غَيرتِك
وآهٍ من الآه ...
تُلوّحني مناديلُ الأوهام
*
ها أنتَ ...
بقسْوتِكَ البادحةِ
تَشحَذُ شفراتِك اُلمُسنّنةِ
بِجِذعِ قلبي
تُجرِّدُني مِن لحاءِ النقاءِ
تُخثِّرُ نسْغَ حُروفي
يَذرفُني الصَّمتُ حنيناً
يَلتهبُ بِجَمْرِ الإباءِ
*
أُ ح بّ ك ؟!
حروفٌ هائمةٌ .. مُشرّدةٌ ..
أنفاسُها تائهةٌ ..
تتقطّعُ شغفاً بِك
فتيلُ وَصْلِها دونَ وَصْلِكَ
يذوبُ حيْرةً ..
يَحترقُ لَهفاً إليْك
*
... ومِن على بُرجِ عشقي اليتصدَّع
أترقّبُني
أَعَلى حافّةِ الاحتقارِ
تُهويني إلى مُستنقعٍ
لا قرارَ لهُ .. ولا مُنتَهى !
*
آهٍ لِظلِّ بَراءةٍ مِن غربانِ الظُّنون
يُمَزِّقُه قَلِقاً
مَسٌّ مِن جُنونِ حُبٍّ
*
قِوامي سيّدي قلبٌ .. يَطفحُ بِبلواكَ
تأتلفُ فيه ثلوجُكَ ونيرانُك !
*
تُغافلُني فُرشاةُ قَشعريرةٍ
تُرعِدُني ..
تُشَوّهُ لوحاتِ مُعاناتي
*
بِقوالبِ الغَيرةِ
تُحجِّمُني .. تُشكِّلُني ..
تُبلورني في غفلةٍ من حُلُمي
وتُكَفِّنُ روحي .. بفنون الاحتِضَارات
*
آهٍ أَلمي
لسانُكَ يبترُهُ الشّوقُ
كًُلما .. تَماثلَ للشِّفاء
آهٍ قلمي
قوامُكَُ امتلاءٌ منهُ
ونزْفُكَُ ابتلاءٌ بِه
تَحملُه في رحْمِكِ
تلدُهُ أيائل قَصائد
يُقمّطُهُ بشغافِ قلبي
فيتسربلُني
عِطرَ حروفٍ وسِحرَ كلمات
*
بأعماقِ العَتمِ القارسِ
يَشتدُّ هجيرُ هَجْرْك
بفيءِ الذكريات أستظِلّ
تتأوّهُ أغصانُ الماضي
يشتدُّ نَتْحُ الذَّاكرةِ
تعزفُني زفراتُك الْتَلْهَثُ
حفيفَ تَميمةٍ مُقدّسةٍ
أُحبُّكِ ..
أ حِ بُّ كِ
*
أسمعُ هَذيانَكَ المُموْسَقَ .. وأخشعُ ..
أخشع ؟!
يا أيُّها العَاتهُ بقلبي
من خلف سياجِ عطرِك
برعونةٍ
تَتركُ أبوابَ غُربتي
*
فَوْضاكَ .. تَعُمُّ وحدَتي
إلى مَتى .. يظلُّ صَهيلُ خيالاتِك
يُطاردُ رياحَ شَوقي
إلى مَتى
تبقى تَملؤُني .. بعجيجِ غبارِك ؟
تظلُّ تُجيرُكَ مِنّي أطيافُك ؟
وأمضي
يتأبّطُني ذراعُ قلبي .. أعدو إليكَ
فوقَ حَصى الذكريات
حافيةً من ظِلّي
*
آهٍ وجعي ..
تُدْمي أقدامَ خيالاتي
أهرعُ إليكَ ..
أُشرِّعُ نوافذَ حَنيني ؛
لأشتمَّ عطرَ خفقاتِك
أقتفي آثار ملامسِك
ألمسَ أجيجَ أنفاسِك
وفي سَكرةِ حضورك
أتنهَّدُني ... أعزفُني
تُلهِبُ سعيرَ عذابي
وأعودُ .. أتقهقرُ
خلفَ ظِلالِ غيابِكِ
*
أيا ماءَ حياتي
كيفَ أُلقي بِكِسراتِ مَائي
بأفواهِ عصافير .. تُحسِنُ المُناقرة
وَسُيولي تَتدفّقُ
تأبى إلاّ أن تُبخِّرَها في غليانِ غَيرَتِك ؟
*
أيا أثيرَ أنفاسي
حَسْبي :
تَعتريكَ طُيورُ الفؤادِ
تَنسابُ في فضاءاتِ رُوحي
حَسْبي :
تفوحُ أعاصيري بِطلعِ شذاكَ
فتزهرُ وتزهُوَ بكَ أفناني
*
لمْ يعُدْ قلبي إسْفنجِيّاً
تَترامَى في أحضَانِهِ أَمواهُ سَحاباتِكَ
قلبي .. تَشَبَّعَ بِجنونِ بَهائِكَ
فكيف تُشرِبُه غبارَ نَواك ؟
نوافذُ روحي
صَ دِ ئ تْ
تَ هَ رّ أ تْ
ما عادتْ تُجْديها اُلرّياحُ واُلأمطار
*
جُيوبُ عُمرِي مثقوبةٌ
وها أنتَ نَفيسَ عُمري
هَرَرْتَ مِن ثُقوبي .. في أحد المَمرّات
*
آهٍ لَكَم أخشَى
أن يتعثَّرَ بك ناطورُ الأشواق
يُعَلِّقَ أحلامَكَ على شُجيْرةِ التمنِّي
حينها ...
أتنخرطُ آهاتُ اللَّوعةِ
في مَعصيةِ الحنينِ ؟
وأسألُنا :
أتتقَزَّحُ عيونُ الأحلامِ ذاتَ وَمضةٍ ..
أزهارَ شوقٍ لإياب ؟

عُصفورَةُ الـنَّــار


عُصفورَةُ الـنَّــار

جَعَلْتُ قَلْبَكَ عُلّيْقَةَ مُوسَى
تَشْتَعِلُ بِاخْضِرَارِ نَارِي
وَلا تَترمَّدُ !
*
أنَا عُصْفورَةُ نارٍ
لكِنِّي ..
لا أُحْرِقُ وَلا أُرْمِدُ
وَما كُنْتُ أَنْفُخُ في رَمادٍ
بَل ؛
أُلْهِبُ الصُّدورَ الْمُرَمَّدَةَ بِجِمَاري
*
دَعِ الدَّمْعَةَ عَلى شِفاهِ الثَّلْجِ
تَسحُّ ..
تَنْشَطِرُ ..
عَلَّ الثَّلْج يَذوبُ ..
فَلِمَ تَنتَظِر؟
مَا تِلْكَ بدَمْعَةِ نَدَمٍ ،
هِيَ قَطرةُ حَياةٍ
دَعْها تََهْمي
فَما ذاكَ بِانْكِسَار
*
أنا
مَن احتملَ في مِنْقارهِ جَذْوَةَ نارِ الهَوى
دَعْني أُدْفِئْكَ بِها
أُجَفِّفُ طَواحينَكَ المُبْتلَّةَ
بِحَرَارَتي
*
أجِيئُكَ
أُخبِّئُ لكَ
تَحْتَ
جَناحَيَّ
غِلالَ حُبِّي
فَهيِّئْ .. سيِّدي .. أَجنِحةَ عِنَاقِنَا
أَثِرْ أَريَاشَهَا بِنَسائِمي
لِيأْخُذْنا هَفِيفُهَا
إلَى
دُوَارٍ لَذِيذ
!

في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَـة


في مَهبِّ رَصِيفِ عُـزلَـة

المَجهُولُ اليَكْمِنُ خَلفَ قَلبي
كَم أَرهبهُ يَتَكَثَّفَ وهْمَاً
عَلى
حَوافِّ غِلافِهِ
أَخشَاهُ يَحجُبُ برَائبِ غَيْمِهِ أَقمَارَ حُلُمي
أن تَتَطاولَ يَدُ عَقلي
تَهُزُّني ..
تُوقِظُني ..
بِلُؤمٍ سَاخِرٍ
مِن سَكْراتِي الهَائِمَة
*
كَيفَ أَمنَحُكَ قَلبي الآنَ
وقد اخْتَطفَتْهُ مَلائِكةُ الحُبِّ
إلى فُسحَةٍ في العَراء
*
كيفَ لَها أن تَهدأَ ذبذباتُ الرَّغَباتِ
حينَ تَتماوجُ في فَضاءاتِ الخَيالِ ؟
كيفَ وَصَداها يَشُقُّ حِجابَ الإرادةِ
وتَركِنَ حِيالَها عَاجِزاً .. شارِدَ الرُّوح !
*
آهٍ ...
ما أَشقاهَا المرأةَ
حِينَ تُسَاقُ مُقَيَّدَةَ الرَّغبةِ
إلى زَنزَانةِ أَحلامِهَا المُستَحِيلَة ..
كأَنَّ الشَّوقَ يَرمِي حُوريَّاتِ الأَحلامِ
في سَحيقِ هَاوياتِها
يُهجِّنُ وِلادَاتٍ رَهيبةٍ
يَترُكَها أَجِنَّةَ حُبٍّ عَلى ثَديِ انْتِظَارِها
*
قَد أَكونُ أَرهقتُكَ ؛
بِضَجيجِ فِكري
بِضَوضاءِ قَلبِي
أَشعرُ بالذَّنْبِ
حِينَما أَرجُمُكَ بِإبرِ أَحاسِيسي
وما مِن ذَنْبٍ أَقترِفهُ
سِوَى أن تتكَبَّدَ جَرِيْمةَ حُكْمِي
*
أُحِسُّ برَاحةٍ غَريبةٍ
حِينَما أُوقِعُ بِكَ قِصَاصِي
بِلُؤمٍ أَبْلَه
*
أَحتَاجُ إليكَ ..
بِنَسيمِكَ أَكُونُ مَلكْتُنِي
وَبِغُبَارِكَ أَكُون خَسِرْتُنِي
فَلاَ تسكبْ عُصاراتِ رُوحِكَ
في كُؤوسِ ضَعفِي
ولا تَقُضَّ قِشرَةَ آمالِي
أَرهبُ عليكَ مُنازلتَها الشَّقِيَّة
ولا تُوقِظْ بِي حَنيناً أَغرقتُهُ في سُبَات !
*
لَيْتكَ تَغمُرني كلَّ آنٍ
بِلَحظاتِ حُزنِكَ وَعذابِكَ
فَقَدْ تَقتُلُ بِي الخَوفَ والشَّك
*
كَيفَ آمرُنِي أَن أُغادِرَكَ ؟
قَلبُكَ احْتَلَّنِي
رُوحُكَ تَتجلَّى في مَرايا رُوحِي
وأنتَ ظِلِّي المُلاَصِقُ
بِحَرْفي ..
بِخَوْفي ..
بِعَطْفي ..
أنا المَصقُولةُ بِكَ / المَرهونةُ لَك
كَم بِتُّ رَهِينةَ رَوعَتِك !
أَرتَاعُ حِينَما أُحِسُّ بالشَّوقِ
يُدثِّرُني بِثَوبِ الإِثْم
أَجزَعُ وأَهرُبُ
كي لا أُكَابِدَ
في وحدَتي
مَغَارزَ الأَلَم
لا تَترُكْني رَعشةً
في مَهبِّ رَصِيفِ عُزلَة
رغم أَنَّ تلكَ النَّسائمَ أَصبحتْ
تَطِيبُ لي وتُغفِيني !

أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ



أَحِنُّ إِلى حَفيفِ صَوْتِكَ
يَنْدَلِقُ
نَسِيْماً رَطباً في مَعابِرِ رُوحِي
تَجمَعُني قُزَحاتهُ إضمَاماتٍ فوَّاحَةً
تَزدانُ بِها مَنابرُ مَسامِعي
نَبَراتُ حُروفِكَ تُلاغفُ جَوانِحي
أَحَاسِيسُكَ تُسوِّرني
كَيْفَ أهْرُبُ
وَمسَافاتُ الوَلهِِ تَزدادُ نَقشَاً
في مَسالِكِ قلبيِ ؟
*
أَشتاقُكَ ..
أيُّها المَجنونُ
إِلى ما لا نِهايةٍ مِن جُنونِك
أَشتاقُك ..
وما مِن أحَدٍ يَراكَ شَفِيفاً كَمايَ
كم أُدمِنُها دِنانُ حُزنِكَ
أنادِمُها بِكَلماتٍ فيها بَعْثي المنتَظَر
*
لِمَ يَتَأوَّهُ حَبِيبي
والنَّارُ تَتَآكَلُ في دِمائِهِ ولا تَأكُلُهُ ؟
أما كانَ الأَوْلى بِنيرانِهَ أن تَتَأوّهَ ؟
*
اِفتَحْ لي قلبَكَ الذَّهبيَّ حَبِيبَ قَلبي
واسْكُبْ أَحشاءَهُ عَلى راحَتيَّ ..
بالأمْسِ ؛
سَمِعْتُ وُعُولَك تُناغِي ظِباءَ حُزنِك
آهٍ يا رَحمَ رُوحٍ
تَتَفَتَّقُ وِلادةَ وَجدٍ في رُوحِي :
أَنُولَدُ فِينَا ؟
*
آثارُ قلبِكَ دَعني أرَمِّمْها ..
أُجَدِّد مَاءَ حَدائِقَها ..
أَجعلها وُروداً
نَتراقصُ بَينَها شَغفاً
وتَسبَحُ قَنادِيلي في جَداولِهِا الشهيَّة
*
هُو قلبُكَ لي ؛
بِمَائِهِ وطَمْيِهِ ..
بِضِفَافِهِ وأَشجَارِهِ ..
بِعَصافيرِهِ ونَحْلِهِ ..
أُريدُهُ بِعالَمِهِ
فَكُلُّكَ
وَكُلُّ كُلِّكَ يَشوقُني
ولا أُريدُ الشَّوقَ يُؤطِّرُني
*
هُوَ صدرُكَ بَيْدَري
أدْرُسُ عَليْهِ سَنابلَ حَنيني
لن أَخشَى اجْتياحَ فَيَضانِكَ
سَتُسْكِنُك قُبْلَةٌ تُخَثِّرُ أَمواجَكَ
لَنْ أخشَى خَطَرَ السِّباحَةِ فيكَ
وانْجِرافي بِشَلاّلاتِكَ النَّاريَّة
*
أأسْكُبُني رَعشاتٍ تَصهُركَ ..
تُغلِّفكَ بي ؟!
أتكونَ دفينَ انصِهَاري
حَبيسَ أنْوِيَتي ؟!
أتَقْبَلُ بِكيْنونَةٍ جَديدةٍ
لا تُحَرِّرُها إلاّ بَراكيني ؟!
يَا .. مَنْ .. أَشْتاقُكَ
دَعْني أرْوي بِأمْطارِ عَيني
بَراريَ عَطشِكَ
أُلَمْلِمني لكَ ظِلالاً
وأشتاقُكَ أبد
اً.

أيائل مشبعة برائحة الهلع


أيائل مشبعة برائحة الهلع

آمال عوّاد رضوان*

لا تَبْحَثْ
عَنْ زَماني العَتيقِ
في رُكامِ
أَعْوامي المَنْسِِيَّة
فَأَحلامي
باتَتْ تَنوسُ
ما بَيْنَ المَوْت وَالْحَياة ِ
تُسابِق ُ
خُيولَ الواقِعِ الهَمجِِي
...
آهٍ قَلْبي ..
تَصَدَّأ
مُثْقَلاً
بِحَكايا تَتَصدَّع
...
قَلبي
غَصَّهُ الحُزْنُ
هَدَّهُ امتِهانُ الرُّوح
...
لا ..
لا تَبْحَثْ عَن ِالنِّسْيانِ
في خريِطَةِ أَوْجاعي
بَيْنَ إِحْداثِيّاتِ ضَعْفي
أَو بَيْنَ فَواصِلِ شِعْري
...
لا تَنَْبشْ أَدراجَ ذاكِرَتي
لا تَحتَ خُطوطِ أَحْزاني
وَلا فوْقَ مِساحاتِ أَفْراحي
عَبثاً
أَحْلامي رَحَلَتْ
عَلى أَجْنِحَةِ النُّورِ والظَّلام
هَرَبَتْ
مِنْ مَداراتِ الرُّعْبِ الدَّامي
وَخرَجَتْ
مِن ْجاذِبِيةِ كَوْكَبِ اللِّئام
...
ذاكِرَتي
غَدَتْ مَزْكومَةً
دواةُ اللَّيلِ انسَكَبَتْ
فَوْقَ
خَرائِطي
مَحَتْ كُلَّ مَعالِمي
نَثَرَتْ
عَلى جَسَدي
بُثورَ غُرْبَةٍ
وضَباباً
مِن آهاتٍ وَأكْفان
...
طَعَناتُ مَكائِد
تَتَوالى
تَتَهاوى
من يَدٍ مَسْعورَةٍ
تَغْرِزُها
حتَّى في أَنويةِ الزُّهور
...
هِيَ المُفارَقاتُ
تَنَثُرني بِلُؤْمٍ
في حَدائقِ الظَّلامِ
بِوَخَزاتٍ مُؤْلِمَةٍ
تَمْتَصُّ وَميضي
...
بِاحْتِضانٍ مُسْتَحيلٍ
تَفرشُ
مَخالِبَ وَصفِها
فَوْقَ أَنفاسِ الحَياةِ
وَتَحْتَ سَراحِ المَمات
...
تَتَصاعَدُ التَّنَهُّداتُ
مُشبَعةًً لَهبًا
حتَّى النُّخَاع
...
آهٍ يَا ...
مَلامِحي الوَرْدِيَّةِ جَفَّتْ
ولُسِعْتُ بِسوطِِ الخَرير
وَوَشَمُوني بِمَاءِ الفَوضَى
...
حَتَّى مَفاتيح الأَلَمِ سُرِقتْ مِنِّي
تَركُوني أَتَأَرْجَحُ
بَين الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيان
...
آهٍ ...
لَكَمْ أَخْشى رُؤيةََ أَيائِلي
تَتَناسَلُ
مُهَرْوِلَةً .. مُشبَعةً
بِرائِحَةِ الهَلَعِ وَالارتِجَاف
تَتَراكَضُ
جافِلَةً .. خائِفَةً
ما بَيْنَ
أَدْغالِ المَوْتِ وَشِراكِ الاحتِرَاق
...
عُيونُ الشَّرِّ
تَتَربَّصُهم
في كُلِّ اتِّجَاهٍ وَآن
...
تَسْتَنْفِرُ
حَواسَّ الذُّعرِ
تَسْتَثيرُهم
تَسْتَفِزُّ
مَوْتَهم إلى المَوْتِ.

* شاعرة من فلسطين

أَوتَـارٌ مُتَقَـاطِعَة


أَوتَـارٌ مُتَقَـاطِعَة

تَحْمِلُنا أَسمَاؤنَا إِلى أَعمَاقِ مَجهُولٍ يَتنَاسَل ..
نَحْنُ؛
فِكرَةُ خَلْقٍ يَتَكوَّرُ في رَحمِ المُنَى!
*
نُعايِنُ ظِلالَ اللهِ تَكسُو بِحَارَ الحَواسِّ؛
تُربِكُنَا أَمواجُ الرَّهبةِ .. فَنَتقوَّس
وبِتثَاقُلٍ مُهتَرئٍ
بَينَ تَعاريجِ الحُزنِ وشَظايَا الفَرحِ
نَتَّكِئُ علَى مَسَاندِ الصَّمتِ
نَنْكأُ جُروحَاً تَغفُو
لِنَنْشُرَ سَوادَ الأَلَمِ حَلِيباً
يَتعَشَّقهُ مِدَادُ الحَنِين
*
تَتَرنَّحُ قَواربُ أَحلامِنَا خَدِرةً
يَتنَاثَرُها جُوعُ عَواصفِ الوقتِ الكَافِر،
وفي دَوَّاماتٍ مُفرَغةِ الحُروفِ
وبِوَرعِ الضَّوءِ الخافتِ الخافقِ
نَرسِمُنا قِصَصاً تَتلوَّى لَوعةً
في قَفصِ البَراءَة
*
لِبُرهَةٍ؛
نُومِضُ بَسَماتٍ تَرتشِفُ دَمعاً
يَترَشَّحُ حَيرةً حَيرَى
من ثُقوبِ قَلبٍ يَتَفايضُ نُوراً،
ولِوَهلَةٍ؛
تَنثَني هَالاتٌ من أَسفَارِ الأَيَّام
تَتشَكَّلُ رَغوةَ تَساؤلٍ على جَبينِ الفُصُول
وبِخلسَةٍ؛
نَلِجُ أَحشاءَ العَمرِ بِشَهوةٍ
تَعزِفُنا أَنامِلُ نَيسَان أُكذُوبةً
عَلى
أَوتَارِ الذَّاكرةِ والنِّسيَانِ المُتَقَاطِعَة!